خيرالله خيرالله / مصر والسلاح الفلسطيني... وإنصاف لبنان!

تصغير
تكبير
لا حاجة إلى مزايدات ومزايدين. ليس هناك من يستطيع إعطاء دروس في الوطنية لمصر أو الأردن. البلدان استرجعا أراضيهما المحتلة. هل كان عليهما التخلي عن هذه الأراضي كي يثبتا وطنيتهما. مناسبة هذا الكلام تطرق الرئيس حسني مبارك في خطاب ألقاه قبل أيام إلى الوضع في غزة. كان الرئيس مبارك واضحاً كل الوضوح لدى تناوله الوضع في غزة. كان ضرورياً أن يسمي الأشياء بأسمائها، حتى لو لم يسمّ «حماس»، وأن يؤكد أن ما تبنيه مصر على طول حدودها مع القطاع حماية للسيادة المصرية والأمن المصري وأن تهريب السلاح إلى غزة يضرّ بالفلسطينيين وقضيتهم قبل أي شيء آخر. لا غبار على المنطق المصري الذي يستهدف حماية الفلسطينيين من بعض الممارسات الفلسطينية التي تسيء إلى القضية وإلى مستقبلها وإلى نضال الشعب الفلسطيني الهادف إلى تحقيق حلم الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. باختصار، تحمي مصر الفلسطينيين من بعض الفلسطينيين الذين يحاربون كل ما له علاقة بالمنطق. على سبيل المثال وليس الحصر، هناك أجواء احتفال لدى «حماس» بما تسميه الانتصار الذي تحقق في غزة قبل عام حين انتهت الحرب الإسرائيلية على القطاع. أسفرت تلك الحرب عن سقوط ألف وأربعمئة شهيد فلسطيني، معظمهم من المدنيين. لم يقتل سوى ثلاثة عشر إسرائيلياً. دمرت آلة الحرب الإسرائيلية ما يزيد على ربع البنية التحتية لغزة ولا تزال تفرض حصاراً على القطاع، فيما العالم يتفرج والعرب في حيرة من أمرهم. لعلّ الموقف المصري يساعد في استفاقة عربية وفي اتخاذ موقف لا لبس فيه يضع الأمور في نصابها ويؤكد لكل من يعنيه الأمر أن الكلام عن انتصار شيء، فيما الانتصار الحقيقي شيء آخر.

ثمة حاجة عربية إلى الجرأة. ليس مطلوباً الاكتفاء بالوقوف مع مصر وإدانة الحملات التي تشنها بعض الأطراف الفلسطينية عليها من زاوية أنها شريك في الحصار على غزة. وفي ذلك مجافاة للحقيقة والواقع. ما يبدو ضرورياً أكثر من أي وقت اتخاذ موقف من السلاح الفلسطيني، خصوصاً في لبنان. مصر تستطيع حماية نفسها ومواجهة المزايدات والمزايدين وقول ما يجب قوله، حتى لو جاءت مواقفها في بعض الأحيان متأخرة فبدت كأنها تكتشف فجأة «حماس» وارتباطاتها والأهداف الخفية التي تقف وراء سيطرتها على غزة. لبنان لا يستطيع ذلك، خصوصاً ان المحور الإيراني - السوري يستخدم أرضه «ساحة» لتصفية الحسابات مع هذا الطرف العربي أو ذاك ويستخدم أدواته اللبنانية وأدوات الأدوات لتكريس وجود دولة داخل الدولة اللبنانية. لبنان في حاجة، أكثر من أي وقت، إلى موقف عربي صريح لا يخشى المزايدات والمزايدين وحملة الشعارات المزيفة. يفترض بمثل هذا الموقف أن يظهر أن العرب تعلموا شيئاً من تجارب الماضي القريب وأنهم يريدون بالفعل حماية الفلسطينيين وقضيتهم وتفادي استخدامهم وقوداً في معارك لا علاقة لهم بها يدور بعضها على أرض لبنان. واجب العرب دعم الموقف المصري وتأكيد أن في الإمكان العمل جدياً من أجل فك الحصار الإسرائيلي الظالم المفروض على أهل غزة عن طريق اعتماد المنطق والمواقف الشجاعة قبل أي شيء آخر. إنه الحصار الذي تستفيد منه «حماس» لإخضاع الشعب الفلسطيني وتغيير طبيعة المجتمع في القطاع كما تستفيد منه حكومة بيبي نتنياهو لتبرير سياساتها العدوانية الهادفة إلى تكريس الاحتلال عن طريق القول للعالم أن لا وجود لشريك يمكن التفاوض معه والهرب بالتالي من الانسحاب من الضفة الغربية على غرار ما حصل في غزة.

هذا جانب مما يستطيع العرب عمله في حال كان مطلوباً حماية القضية الفلسطينية والتوصل إلى تسوية تعوض بعض الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني. لعل الجانب الآخر المهم، وربما الأهم، اتخاذ موقف من السلاح الفلسطيني في لبنان داخل المخيمات وخارجها ووقف التطاول على سيادة لبنان وأمنه عن طريق صغار الصغار من أمثال المدعو أبو موسى ومن على شاكلته. عندما يتخذ العرب موقفاً من هذا النوع، فإنهم لا يخدمون القضية الفلسطينية فحسب، بل إنهم يعيدون أيضاً الاعتبار لأنفسهم أولاً، لعل اللبنانيين يغفرون لهم الخطايا التي ارتكبوها في حق الوطن الصغير وشعبه منذ فرضهم «اتفاق القاهرة» عليهما في العام 1969.

كان فرض «اتفاق القاهرة» على لبنان واللبنانيين جريمة في حق الفلسطينيين واللبنانيين في آن. ربما آن الآوان كي تصدر عن العرب كلمة عادلة في حق لبنان. ثمة حاجة إلى كلمة عربية تنصف لبنان لا أكثر ولا أقلّ. الموقف من السلاح الفلسطيني نقطة انطلاق أساسية في هذا المجال... هذا إذا كان هناك من يريد أن يعتبر ويستخدم المنطق، بدءاً بالاعتراف بأن الكلام عن انتصار في غزة لا يشبه سوى الكلام عن انتصار على إسرائيل في حرب صيف العام 2006 في لبنان. لا شك أن مقاتلي «حزب الله»، على عكس رجال ميليشيا «حماس»، صمدوا في مواجهة العدوان الإسرائيلي، لكن ماذا حل بلبنان؟ لا تزال فيه بيوت مدمرة وقد ارتد السلاح في اتجاه الداخل وصار موجهاً إلى صدور اللبنانيين الشرفاء حقاً! الأخطر من ذلك انفلات الغرائز المذهبية على نحو لا سابق له في تاريخ الوطن الصغير!

لا يمكن بناء انتصارات على أوهام. هناك طريق مختصر ليؤكد العرب أنهم باتوا يدركون هذه الحقيقة. اسم الطريق الموقف الواضح من السلاح الفلسطيني ومن كل سلاح غير شرعي في لبنان. مهدت مصر الطريق لاتخاذ مثل هذا الموقف الشجاع. ولكن هل هناك من يريد أن يسمع أو يتعظ؟





خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي