علي سويدان / لا تموتوا في المهجر

تصغير
تكبير
مع أنني لا أرغب أبداً في تحويل المقال الصحافي إلى ساحة للسجال لا طائل من ورائه، ولأنه منبر لإبداء الرأي وعرض الأفكار بموضوعية واتزان من دون تكرار في الكلام وإدخال الملل للنفوس، ولكن لا بأس هذه المرة فقط فلكل مقام مقال، وسقى الله أيام والدي الذي تخرّج في دار الحديث بدمشق على يد العلامة محمود الرنكوسي (رحمه الله) فقد أوصاني والدي ألا أنتسب إلى أي حزب أو جماعة، وأن أبقى دائماً على حياد من دون انحياز لأحد أو تحامل على آخر، وعلّمني أيضاً أن أبدي رأيي بشجاعة من دون تجريح، وقد أظهرت الأيام سلامة فكرته وسداد رأيه، ولأن الولاء للوطن خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه فقد رأينا حين فرّط أناس في هذا الجانب كيف جرّت بلادهم إلى مأساة لم تحمد عاقبتها، وما حدث في جسد الأمة من تمزيق واحتلال على امتداد الشرق ما كان ليكون لولا أن منا من فتح الباب أو مهّد الطريق لذلك.

ثمة بيننا نحن بني الشرق من يجرّ لنفسه ولوطنه البلاء بانصرافه عن الأهم وانشغاله بخصوماته الشخصية أو انتمائه التنظيمي على حساب أمته ومصلحة وطنه، لكن وعي الأمة ويقظة أبنائها سيحدا بلا شك من تلك الآفة، فربما يستيقظ هؤلاء الذين لا يميزون بين الأولويات وبين المهم والأهم وبين العمل على الإصلاح والتدرج فيه وبين رغبتهم بالحصول على مصباح علاء الدين ليقوموا بخطوات الإصلاح كما يقولون؛ وهم يرون كما يرى العالم أجمع التوجه السياسي في سورية والانفتاح الاقتصادي فيها الذي يأخذ خطواته بمعايير تضبط مصلحة المستثمر ومصلحة الوطن وأبنائه. إن مسألة الفقر الذي يتحدث فيها البعض مسألة تشترك فيها كثير من دول العالم وحولنا دول غنية في المنطقة فيها شرائح ليست قليلة تعيش تحت خط الفقر، بينما أبراج تلك البلاد تعانق السحاب! فهل نسمح لأنفسنا أن نتهم تلك الدول وأنتظمتها الحاكمة ونشكك فيها لهذا السبب فقط؟

إن لجوء البعض إلى ذلك ليدلّ على أن مشكلته أكبر من أن تكون مشكلة افتعلها على المازوت والخبز، لأن السعي من أجل تقدم الوطن يكون بالإخلاص والعمل الحقيقي، بعيداً عن التوهم بوجود حواجز بين الإنسان ووطنه. إن اختلاف الأحزاب أو الجماعات مع سلطة ما لا يعني أن يودي الإنسان بأمن بلاده وطمأنينة أهله أو أن يمس وحدته الوطنية بذريعة الدعوة إلى إصلاح المستوى المعيشي أو الوضع السياسي، أو أن يهاجم الناس ويصنّفهم بسياسة عجيبة تذكرني بسياسة الرئيس الأميركي بوش الابن حين تبنى فكرة «إن لم تكن معنا فأنت ضدنا»، تماماً كما يروّج البعض لفكرة؛ إن لم تكن من «الإخوان المسلمين» فلابدّ أنك من «حزب البعث»! وحتى لا نذهب بعيداً فرغم ما تعرضت إليه سورية ومازالت تتعرض من حملات تشويه، وكانت أبرزها اتهامها باغتيال الرئيس رفيق الحريري فقد فشلت هذه المحاولات كلها ليس لشيء، ولكن لأنها محض تلفيق، وكما يقولون الكذب حبله قصير، وما فشل «جبهة الخلاص» إلا أكبر دليل على ذلك. أما الذين سخّروا أنفسهم فقط لانتقاد سورية أقول لهم ليس بيننا وبين أوطاننا حواجز فلا تموتوا في المهجر.





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي