الدكتور هاني خليل رزق أحد العلماء العرب الدمشقيين الذين حازوا جوائز تقديرية عدة في العلوم، مرتين من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، المرة الأولى على كتابه (موجز تاريخ الكون من الانفجار الأعظم إلى الاستنساخ البشري)، والثانية قبل شهرين على كتابة (الجينوم البشري وأخلاقياته)... ومن الحوارات التي دارت بيني وبينه أشار إلى البعد الدعائي الذي سلط على اينشتين وصلة ذلك بانتمائه الايديولوجي والسياسي، الملاحظة ذاتها سمعتها من حواراتي مع الدكتور صبري الدمرداش أستاذ العلوم الطبيعية في كلية التربية بجامعة الكويت والحائز مرتين جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي...، أمس الجمعة وفي تمام الساعة الواحدة وعشر دقائق جاءتني رسالة عبر الهاتف لأحد الأحباب يقول فيها «سمعتك مرات وأنت تتكلم عن فنون الدعاية ان اينشتين خدم الصهيونية وخرج عن مهمته في السلام والعلم معاً لكني قرأت اليوم في القبس مقالاً بعنوان (شخصيات غيرت وجه العالم)، وفيه ما يعاكس وجهة نظرك... وطلبت القبس، واذا بالمقال للزميل العزيز طلال العرب وكانت الفقرة التي يقصدها صاحب الرسالة قول الكاتب طلال عن اينشتين: «كان عالماً بحق، ولم يكن يهتم بالسياسة، فأكثر ما كان يشغل باله العلم والسلم حتى انه رفض في 1952 عرضاً بتولي المنصب الرئاسي لإسرائيل، مفضلاً الابتعاد عن السياسة، وبدلاً من ذلك فقد تقدم بعرض من نقاط عدة للتعايش بين العرب واليهود في فلسطين».
ولكي نضع القارئ في صورة اكثر اكتمالاً نقول عندما قامت الحرب العالمية الأولى تحمس اينشتين للدعوة إلى السلام وفي هذه الفترة تأثر كثيراً برومان رولان الذي التقى به في سويسرا، وإلى جانب هذه الدعوة إلى السلام راح يدعو للصهيونية بحماسة شديدة، وبناء على طلب من زعيم الحركة الصهيونية آنذاك حاييم وايزمن قام بجولة في الولايات المتحدة الأميركية لجمع تبرعات لمؤسسة الاستيطان اليهودي في فلسطين Palastine Foundation Fund وواصل نشاطه الصهيوني هذا بأن قام بأسفار إلى فلسطين، يشجع المستوطنين اليهود الجدد هناك، كما انه راح يزرع العواصم الأوروبية في سبيل الدعوة للصهيونية!! وقد جمعت خطبه في الدعوة للصهيونية في كتاب بعنوان «حول الصهيونية: خطب ورسائل» مترجمة إلى الانكليزية سنة 1931. هكذا يؤرخ له الفيلسوف الموسوعي عبدالرحمن بدوي في الجزء الثالث من تراجمه للفلاسفة، ولكن ما دخل اينشتين بالفلسفة وهو عالم في الطبيعيات (فيزيائي) والجواب لأن نظرياته لها آفاق فلسفية. وبدوي أيضاً يرجع ازدياد شهرته ليس للقيمة العلمية لأبحاثه فحسب ولكن لنشاطه الصهيوني صلة بذلك.
وأظن ان عبدالرحمن بدوي بالغ عندما قال: «وبفضل نظرية الكم التي وضع قواعدها فرند هيزنبرج، أخذت شهرة اينشتين العلمية في الانهيار تدريجياً ابتداء من سنة 1925 حتى كاد يفقد مكانته العلمية كلها نحو سنة 1930»، الا أنه - أقصد بدوي - أكد البعد السياسي المخذول في سيرة اينشتين فأتم قائلاً: «راح يعزي نفسه بالانغماس في السياسة أكثر فأكثر، خصوصاً ما يتعلق بالسلام ونزع السلاح وهنا ايضاً أخفق اخفاقاً شنيعاً، خصوصاً بعد اخفاق عقد مؤتمر لنزع السلاح كان مقرراً عقده في فبراير 1932 في جنيف»، وفي ثورة الغضب صرح لأحد الصحافيين قائلاً: «انهم (يعني رجال السياسة ورؤساء الدول) قد غشونا. لقد عبثوا بنا. ان مئات الملايين من سكان أوروبا وأميركا وملايين من الرجال والنساء الذين سيولدون قد خدعوا ولا يزالون يخدعون، ويُتجر بهم، ويعبث بحياتهم وقوتهم ورفاهيتهم»...، هنا أكد اينشتين نظرية المؤامرة وسقوط القيم العلمية في زمن انتصار الثقافة والتقدم العلمي... وإذا كان السياسيون خدعوا اينشتين ووظفوه، وتلك جريمة، فعليك ان تدرك مدى جريمة المفتي الشرعي عندما يكون دمية في يد الرؤساء والسياسيين فيتولى فتاوى كبيرة فولاذية ضد المحاصرين المعذبين!!
محمد العوضي