مَنْ منا يُصدق أن أحداً يخطر في باله أن يترك التجول في أسواق دمشق، وأهمها سوق الحميدية، ويبتعد عن الأبنية التاريخية مثل الجامع الأموي، وقصر العظم، والتكية السليمانية، والحدائق الغناء، ومقام صلاح الدين الأيوبي، وقبر النبي يحيى (عليه السلام)، أو ينسى الصعود إلى جبل قاسيون لينظر إلى الشام في المساء، أو ينسى أن يقضي ساعات ممتعة في مناطق الزبداني وبلودان! ثم يأتي ليأخذ صورة تذكارية مع أسرته بجانب مبنى اسمنتي تحت الإنشاء لم تظهر معالمه! إلا إذا كانت لدى صاحبنا مشكلة ترتبط بالاسمنت والأخشاب والمسامير!
ربما من السهل خديعة الناس والاستخفاف بعقولهم ونقل المعلومات إليهم بصورة مشوهة، فعندما كان الإعلام محتكراً لدى الدول وتحت قبضة المؤسسات الرسمية كان من الممكن أيامها تزوير الحقائق وتلفيق الأخبار والتحايل على عقول القراء. أما اليوم فسيكون من السذاجة بمحل أن يستخدم أحد الأسلوب نفسه لتضليل الناس! لستُ ممن ينتقد لمجرد الانتقاد، ولست ممن يضيع وقته في الرد على فلان أو علان، ولكن وصول سورية إلى دور إقليمي تمارسه الآن لم يكن ليبرز لولا سيرة سياسية ذاتية لسورية أمسكت العصاة من الوسط وليس لأن الرئيس أوباما وصل إلى البيت الأبيض! فربما تأثرُنا بالأنظمة العربية الراحلة خلف عندنا موروثات جعلتنا نظن أن وصول رئيس من الرؤساء إلى البيت الأبيض في أميركا سيسمح له أن يأخذ أميركا نحو الشرق أو أن يأتي بالشرق نحوها! ربما يحدث هذا عندنا نحن العرب في أحلام الروائيين واستعارات الشعراء، أما هناك في أميركا فلا تأتي الأفكار ولا تصور الأمور كما تصور صاحبنا وعائلته صورة تذكارية بجانب المبنى الاسمنتي! فمن الملاحظ هدوء السياسة الأميركية تجاه سورية قبيل مغادرة الرئيس (بوش الابن) للبيت الأبيض، لأن المرحلة المقبلة آنذاك لم بعد من مصلحة أميركا استخدام تلك السياسة التي كانت صالحة في الأعوام التي سبقتها، وتغيير السياسة لا يعني بالضرورة تغيير الهدف، فكلنا يذكر جيداً ما صرح به الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون أيضاً قبيل رحيله عن الحكم عندما قال إن بيده ملفاً يتعلق بالشرق الأوسط لن يفتحه وسيترك هذه المهمة للرئيس الذي يليه، والأمر كان واضحاً مع تسلم بوش الابن زمام البيت الأبيض فبدأت إسرائيل بغزو مدينة جنين وهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها وتبع ذلك أحداث 11 سبتمبر والحرب على العراق. إذاً علينا أن نضع الأمور في جادتها لنصل إلى الحقيقة من دون انحياز أو تحامل. وعلى المحور الفرنسي ومن كان متابعاً جيداً للأحداث يرى أن لا علاقة لتبلور الدور الإقليمي لسورية بوصول الرئيس ساركوزي إلى قصر الاليزيه، بل على العكس تماماً فأول تصريح قاس وجهه ساركوزي تجاه سورية كان بعد تسلمه السلطة في باريس، وكان في مؤتمر صحافي من القاهرة أعرب فيه ساركوزي عن أن فرنسا لن تتصل بسورية بعد اليوم، ولكن الأيام أعادت المياه إلى مجاريها ليطلب ساركوزي بنفسه التواصل مع دمشق ويصرح بعد ذلك خلاف ذلك. علينا أن نكون أكثر إنصافاً في نظرتنا إلى الأحداث بشكل موضوعي، بعيداً عن مصالحنا الشخصية. ومن المهم أيضاً ألا ننسى أننا في عصر الإعلام المفتوح وعالمنا الكبير صار شارعاً في قرية واحدة، فمن الصعب أن يصدق أحد أن السوريين يقفون في دمشق طابوراً للحصول على الخبز، لأن كثيراً من العرب يزورون دمشق على مدار العام، فدمشق عاصمة سورية وليست مدينة في المريخ!
علي سويدان
كاتب واكاديمي سوري
[email protected]