pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

كاتبان وشخصيتان وحياتان

رواية «مدينة الأزمنة المنهوبة»... كأنها بيروت تُصارِع على حافة الموت والحياة

«مدينة الأزمنة المنهوبة»
«مدينة الأزمنة المنهوبة»

لافتٌ إيقاع رواية «مدينة الأزمنة المنهوبة» القائم على شخصيتيْن رئيسيتيْن، العجلاتي والحانوتي.

قد لا يشبهان كاتبا الرواية مازن عبدالله وحيدر صفا، لكن رواية واحدة بكاتبيْن اثنين، غريبة وإستثنائية بقدر ما هو غريب جوّ الرواية القائمة على شخصيتيْن، لكل منهما مفهومها للحياة والموت ويومياتها ومستقبلها.

روايتهما الثانية باللغة العربية، بعد رواية «غبار في الفضاء» وأولى باللغة الألمانية «خيال الصحراء»، تستكمل ما كتب في الرواية الأولى انه خيال علمي. الرواية الثانية ليست خيالاً علمياً، بالمعنى المباشر، مع أن مفهوم الرواية أصلاً يمزج بين الخيال واللغة والواقعية، وكل ما هو إنساني ومشاعر متداخلة. لكنها رواية متخيَّلة عن الموت والحياة بعد الموت والتفتيش عن الزمن الضائع وعن المحرَّمات والمجهول، وعن الظلم الذي يسعى ضحاياه إلى التفلّت منه بأي ثمن، والإنقلاب على صانعيه.

تطغى على أجواء الرواية الجديدة بسودويتها ولغتها موروثات من الأدب الألماني بحدّته التي تبدو غريبة بعض الشيء عن الأدب العربي ولا سيما اللبناني.

وإذا كانت خلفية الأدب الألماني ظاهرةً في الكتاب الأول فإنها في الكتاب الثاني تبدو أكثر حضوراً لجهة طريقة السرد والوصف، الذي يأخذ مشاهد بيروتية ولبنانية ليُسْقِطَها في قوالب غربية.

ثمة ملامح لبنانية خالصة، في مدينة يسكنها الموت وتوصيفات يمكن مقارنتها بأحداث لبنانية صرف. بين «أحب الحياة»، والمصور كريكور، و«أزمنتكم المسلوبة» وأموالكم المنهوبة يصبح التشابه اللفظي إنعكاساً لحالة عامة، حيث تجميع الأزمنة وفشلها ونفاذها في بنوك خاصة، يؤدي إلى تفكير بتشتيت مطالب الناس لشن حرب «أهلية، حرب عالمية، المهم حرب». وحالات التشابه كثيرة على هذا المنوال، لكنها ليست بهذه البساطة، فغاية الرواية الدفع إلى التفكير بما بعد الحياة، بالموت وأشكاله والحيوات الأخرى التي تنسج ويمكن النظر إليها من خلال التحولات، من مدن الفرح إلى مدن الموت، والبناء على مهن متعددة متخصصة في ثقافة الموت التي امتهنها اللبنانيون على مدى عشرات السنين.

تتعدد عبارات الموت ومفرداته المترافقة معه: الدموع والندب والموسيقى الحزينة ومآدب الطعام المخصصة لطقوس الموت، فيصبح النص حاداً ومفعماً بسودوية ولا سيما أن الموت لا يأتي طبيعياً، بل غصباً عن الجميع كحالة تقليدية، لكن الفارق انه يأتي للذين ما زالوا يحلمون بعالم أفضل، من أجل إعطاء حيواتهم لآخَرين.

في النص أوصافٌ لمشاهد يومية... صاحب دكان العجلات، والراديو والصحف، وتحضير الشاي، موقد الكاز، وعبارات فرحة تبدو خارج السياق السودوي، مشروبات مثلجة، بالونات العيد، والرقص، والموسيقى. تعابير «نافرة» حين يكون الغالب، مفردات النعوش والفقيد والميت، والدفن والمنازل الأبدية...

لكن هذا الموت ليس عبثياً، ولا يهدف إلى ضياع القارىء في متاهته، بل في تحوله مرادفاً للظلم والتحكّم بالآخرين، ووضع قيود لهم. وإلا كيف يمكن الكلام عن جحيم «تجار الأزمنة والمحتكرين» الذي «جهدوا لإبتكار فكرة الحرب لئلا تنكشف الفظائع المرتكبة بحق سكان البلاد». أو كيف يمكن عدم المقارنة بين الذين يهربون من لبنان عند إشتداد الويلات والحرب حين يسرد النص فرحة الناس عند المرفأ وهم «الذين يستطيعون المغادرة بسلام وفخرهم بالإنتماء إلى بلدان تنقذ حياتهم عند تعرضهم للخطر».

رواية تبدو كأنها مشاهد سينمائية متتالية، مكتوبة بلغة بسيطة، تحمل مفردات عادية، وجملاً ضائعة أحياناً بين أسلوبيْن، لنصٍ مفتوح على اجتهادات وتفاسير كثيرة، لأنه ينطلق من نتف أحداث، فيبني عليها أحلام النصر على الظلم. لكن لا يبدو انه يمكن إبعاد شبح الموت وطغيان الظلم على الحياة، إلى أن تورق الشجرة وتعيش المومياء. فهل هو ببساطة إنتصار أزلي للضحايا على الظلم أم انه لحظات خاطفة في مسار شعوب تعيش الظلم والموت يومياً، تماماً كما حال اللبنانيين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي