عندما فكرت في أن أكتب عن فئة «البدون» أو غير محددي الجنسية لم يأتِ إحساسي نحوهم من فراغ، بل أتى من واقع المعاناة والمأساة التي تعيشها هذه الفئة في كل يوم: فماذا يبقى لدى الإنسان عندما لا يملك أبسط الحقوق الإنسانية التي تكفل له العيش الكريم خصوصاً في دولة الكويت، كعدم امتلاكه اثباتاً له؟ وماذا يكون للإنسان عندما لا يجد وظيفة يعتاش منها هو وأسرته؟ وماذا يحدث للإنسان حينما لا يستطيع توفير قوته أو مال يشتري به؟ كلها أسئلة تحمل الكثير من الاجوبة وترسم لوحة مأسوية تعكس الواقع الأليم الذي تعيشه هذه الفئة. ولو نتحدث عن واقع «البدون» لعجز القلم عن الكتابة، انها حقاً قصص واقعية يعتصر القلب وتدمع العين منها، ويعجز اللسان عن الحديث عنها، ولكنني سأختصر مقالي في سرد إحدى القصص الواقعية التي أرسلتها لي إحدى الأمهات الفاضلات وهي موجهة لي كالتالي:
«ياولدي... أنا أرملة عسكري سابق في وزارة الدفاع، استقال زوجي من الجيش على اثر مرض ألم به، وحتى يحصل على مستحقاته المالية خيّروه إما الهجرة وإما تعديل وضعه للجنسية، فاضطر الى شراء جواز وكان ذلك قبل افتتاح اللجنة التنفيذية، لذلك ليس لدي ملف فيها، اذ اننا عندما استخرجنا الجواز لم نراجع اللجنة التنفيذية، واكتشفنا في ما بعد انه (مزور)، فقمت باستخراج ورقة من سفارة ذلك الجواز ما يثبت زيف هذا الجواز وقمت بتصديقها من وزارة الخارجية... استبشرنا خيراً عندما سمعنا أن أصحاب الجوازات المزورة يعودون الى وضعهم السابق اي (بدون)، وعندما راجعنا اللجنة، رفض طلبنا لأننا ليس لنا سجل باللجنة.... خدمة زوجي العسكري 27 عاماً ومشاركته بالحروب العربية وحرب تحرير الكويت وأنواط الخدمة العسكرية ووسام التحرير وشهادات الميلاد الكويتية لأبنائي، هذا كله لا يثبت اننا «بدون». فقط الجواز المزور يثبت اننا مقيمون ولولا ضغوطات الحكومة لما اضطررنا لاستخراج الجواز المزيف!
ياولدي: ألسنا نحن من ضمن (البدون) الذين يجب أن ينصفوا، ويحق لهم العيش الكريم، فأنا وأبنائي ضائعون من دون البطاقة الخضراء، لأن الحياة أصبحت صعبة من غيرها ومعاملاتنا كلها متعثرة، فلا دراسة ولا زواج ولا عمل ولا طبابة وغير ذلك، وأقسم بالله العظيم انه منذ ثلاث سنوات يرفض طبيب السكري استقبالي الا اذا احضرت البطاقة الخضراء، وعلاجي تتصدق به عليّ النساء الكريمات، فكل واحدة تعطيني شريحة من علاجها.
ياولدي: لدى بنات بلغن سن الـ 25 عاماً، يأتي لهن الخاطب وعندما يعلم انهن ليس لديهن بطاقة خضراء يذهب ولا يعود لأن (الملجة) أي الزواج لا يتم بدون البطاقة الخضراء....
ياولدي: «أنا أسكن الاسطبلات بين الحصن والبنغلاديشيين والهنود! فهل هذا هو جزاء خدمة زوجي الطويلة في الجيش؟ أرجو أن تحل قضيتنا، فأنا وأبنائي لا يعلم بحالنا إلا الله...».
رسالة أوجهها الى الاخوة الأفاضل في «اللجنة التنفيذية لغير محددي الجنسية (البدون)، ورسالة أوجهها الى الاخوة الافاضل في بيت الزكاة واللجان الخيرية الأخرى، وضرورة حل هذه المشكلة حلاً إنسانياً لأن المذكورة لا يعلم بحالها الا الله، وبالله نستعين. هذا ولكم مني الشكر والتقدير كله».
«صرخة بدون»
إذا لك خاطر تعيش الضياع ولوعة الحرمان... اذا لك خاطر تعيش بصفة ما تشبه الإنسان...
إذا لك خاطر تشوف الألم بعيون أهل بيتك... أمك خوفها يغلي وأبوك بحسرته حيران إذا لك خاطر تشوف الوجود بعينك سكّر... تبي تدرس، تبي تعمل، ولا تلقى سوى الحرمان... إذا لك خاطر أن تنبذ من الدنيا بلا رحمة تنادي ياوطن وينك؟ عجزت ألقاك بالأوطان أبيك تعيش بس ليلة (بدون) وكافي بس ليلة تشوف أنواع القسوة، وأشكال وبعد ألوان...، من «من فرسان البدون».
إن شاء الله سيبحث مجلس الأمة قضية البدون من جوانبها المدنية والاجتماعية في الجلسة الأخرى المرتقبة في 12 يناير المقبل، بعد أن تأجلت الجلسة مرتين متتاليتين، والسؤال هنا: لماذا كلما خصصت جلسة لمناقشة هذا الموضوع المهم، فُقد النصاب اللازم ولم تنعقد الجلسة، فمن المسؤول؟ هل النواب أم الحكومة، أم الاثنان معاً.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]