خيرالله خيرالله / صمود لبنان... في وجه ثقافة الموت

تصغير
تكبير
ما الذي يجعل لبنان مختلفاً؟ ما الذي مكنه من الصمود في وجه حرب عاتية يتعرض إليها منذ العام 1969، تاريخ توقيع «اتفاق القاهرة» المشؤوم الذي كرس وجود دويلة مسلحة داخل الدولة اللبنانية؟ ما الذي مكن لبنان من أن يستقبل هذا العدد كله من السياح من الأخوة العرب والأجانب في العام 2009؟ لماذا كان ذلك الدفق السياحي الذي لا يزال مستمراً رغم التهديدات كلها التي يتعرض إليها المواطن العادي يومياً من داخل أراضي بلده ومن أطراف ارتضت أن تكون أدوات لجهات خارجية وأخرى تصرّ على أن تكون أدوات لدى هذه الأدوات؟ الجواب، في قسم منه، أن آلاف العرب والأجانب يتدفقون على الوطن الصغير وعلى بيروت تحديداً بعدما أعاد الشهيد رفيق الحريري الحياة إليها وإلى معظم أنحاء لبنان. ها هو الرئيس سعدالدين رفيق الحريري يؤكد أن الشعلة، شعلة الحياة لم تنطفء ولن تنطفئ وأن بيروت لا تزال مدينة تؤمن بثقافة الحياة والحرية والتنوع والتسامح.

أما القسم الآخر من الجواب فيتمثل في أن الشعب اللبناني نفسه لا يزال يقاوم من أجل أن يكون بالفعل بلداً منفتحاً على الحرية والحياة وعلى كل ما هو حضاري في العالم. لا يمكن أن ننسى، أنه من أجل الحرية والانفتاح والتسامح وثقافة العيش المشترك ومقاومة التخلف والسلاح غير الشرعي، استشهد جبران تويني وقبله سمير قصير، عاشق بيروت، وجورج حاوي. وبعدهم استشهد كثيرون على رأسهم وليد عيدو وبيار أمين الجميل وأنطوان غانم. دفع اللبنانيون غالياً ثمن المحافظة على الحرية ومقاومة الظلم والتخلف والسلاح غير الشرعي وحروب الآخرين على أرضهم.

في مثل هذه الأيام، نتذكر جبران وقسم جبران وإصراره على المقاومة. لابدّ من تحية كل من يسعى إلى الإبقاء على «النهار» جريدة مقاومة تصر على قول كلمة الحق في مواجهة التهديدات والضغوط كلها. في النهاية لا يمكن الفصل بين بيروت الحرة المتمردة من جهة و«النهار» من جهة أخرى. لذلك، كان مطلوباً اغتيال جبران كي لا تعود بيروت بيروت ولا تعود «النهار» هي «النهار». ما نراه اليوم من خلال أضواء بيروت وشجرة الميلاد قرب مسجد محمد الأمين وضريح رفيق الحريري خير دليل على أن لبنان لم يمت ولن يموت وأنه سيظل وفياً للشهداء كلهم. على رأس هؤلاء شهداء ثورة الأرز، بدءاً برفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما وصولاً إلى الرائد وسام عيد وشهداء مخيم نهر البارد من أبطال الجيش اللبناني والشهداء الأحياء مروان حماده والياس المر ومي شدياق...

ما فعله سعد الحريري في وسط بيروت قبل أيام فعل مقاومة. أطلق من الوسط وفي ظل شجرة عيد الميلاد مهرجانات بيروت 2009 - 2010. أكد بكل بساطة أن لبنان حي يرزق وأنه مختلف وأنه صامد. أكد زعيم الأكثرية الحقيقية في لبنان أن ثقافة الحياة أقوى من ثقافة الموت، وأن لبنان سيحافظ على سياسته المستقلة المنفتحة على القوى العالمية كلها التي لديها تأثير ونفوذ، في مقدمها الولايات المتحدة الأميركية. هناك من دون شك سياسات أميركية خاطئة في غير منطقة من العالم. ولكن هل على لبنان مقاطعة أميركا وخوض حرب معها كي يحصل على شهادة في الوطنية من دعاة العروبة الكاذبة المنغلقة على نفسها؟ لماذا، على سبيل المثال وليس الحصر، لا طموح لدى النظام السوري سوى عقد صفقة مع الإدارة الأميركية على حساب لبنان واللبنانيين؟ لماذا لا يسحب النظام السوري سفيره من واشنطن ولماذا يسعى بالوسائل كلها إلى عودة السفير الأميركي إلى دمشق؟

صمد لبنان بفضل انفتاحه على العالم وعلى الثقافة الغربية تحديداً. تعلم اللبنانيون في أفضل الجامعات داخل لبنان وخارجه، في الجامعة الوطنية وفي الجامعة العربية والجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية وعشرات الجامعات الأخرى في الخارج بما في ذلك الجامعات الأوروبية والكندية والأميركية... هل على رئيس الجمهورية الامتناع في هذه المرحلة عن زيارة واشنطن والاكتفاء بالحج إلى دمشق وطهران؟ أوليست تلك دعوة إلى القضاء على لبنان وتحويله مجرد رأس حربة للمحور الإيراني - السوري؟

لا يمكن الاعتراض بأي شكل على أي زيارة يقوم بها أي مسؤول لبناني إلى سورية او إيران، خصوصاً إذا كانت الزيارة منطلقة من مبدأ الندية في العلاقات والرغبة في التعاطي مع الدولة اللبنانية كدولة مستقلة ذات سيادة. الاعتراض على من يريد عزل لبنان. الاعتراض على من يريد الانتهاء من الصيغة اللبنانية. وجود سعد الحريري على رأس الحكومة، رغم العلل كلها التي تعاني منها هذه الحكومة، خير دليل على أن لبنان لا يزال حياً يرزق. زيارة الرئيس ميشال سليمان لواشنطن تؤكد أن لبنان مازال يرفض الانتحار لا أكثر ولا أقل... وذلك رغم المحاولات السورية والإيرانية الهادفة كلها إلى إفراغ الزيارة من أي مضمون ومن أي فائدة قد تعود على لبنان، ورغم أن الرئيس اللبناني كان موفقاً في بعض تصريحاته الأميركية كما لم يكن موفقاً جداً في جانب آخر منها!





خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي