«الشعب الأميركي يدعم الفن بشكل جنوني»
النحّات الكويتي بدر علمدار لـ «الراي»: تمثال «أمير القلوب»... حظي بإعجاب الرئيسين بوش الأب والابن
- أنتمي إلى المدرسة الواقعية الاشتراكية... التي ازدهرت في الحقبة السوفياتية
- أهوى النحت على الطين المائي... وتحويله إلى مادة صلبة من البرونز
عبّر النحّات الكويتي بدر علمدار عن فخره واعتزازه بإعجاب الرئيسين بوش الأب والابن بتمثال «أمير القلوب» الشيخ جابر الأحمد، طيّب الله ثراه، الذي صنعه بنفسه من الطين المائي قبل تحويله إلى مادة صلبة من البرونز، مشيراً إلى أن الشعب الأميركي يدعم الفن بشكل جنوني، كذلك الشعب الكويتي، «الذي يتمتع بذائقة مميزة للفن بجميع ألوانه».
علمدار، الذي يُقيم منذ سنوات في الولايات المتحدة، أوضح في حوار مع «الراي» أن علاقته بالنحت بدأت منذ الصغر، كاشفاً عن انتمائه للمدرسة الواقعية الاشتراكية، التي ازدهرت في الحقبة السوفياتية.
مؤكداً اطلاعه على كل الحضارات، الفرعونية، البابلية والفارسية، الرومانية والإغريقية، لكنه لم يتأثر بأيّ منها، «لكونها تنتهج الخط الكلاسيكي الذي لا أفضّله في أعمالي».
• في البداية، نوّد التعرّف على الفنان والنحات بدر علمدار، فهل حدثتنا عنك؟
- بكل تأكيد.
فأنا إنسان أهوى فن النحت، أما بالنسبة إلى التخصص الأكاديمي، فإنني حاصل على الإجازة الجامعية في الحقوق، بالإضافة إلى دبلوم الدراسات العليا بالقانون العام من جامعة الكويت.
• كيف بدأت علاقتك بالنحت؟
- كما أسلفت، فإن النحت هواية قديمة بدأت بذرتها في مرحلة رياض الأطفال، حيث أحببت التشكيل على الطين المائي، وكنت أتفوق على أقراني في صنع مجسمات أكثر جرأة، لناحية الحجم والتفاصيل والنوعية.
• ما هي أول منحوتة قمت بصناعتها؟
- أول منحوتة متكاملة صنعتها من الطين الملوّن، وكانت عبارة عن مُجسّم لملعب المباراة بين القادسية والعربي بكامل تجهيزاته ولاعبيه، وذلك في العام 1987.
ومن ثم عرضته على أستاذي المرحوم مؤسس جمعية الفنون التشكيلية أمير عبدالرضا، الذي أبدى إعجابه ودهشته بتفاصيل العمل وتنبأ ليّ بمستقبل واعد في هذا المجال.
في العام 1990 طلب مني أن أتصوّر عدداً من الشخصيات لعائله شخصية «بوزعلان» التي ابتكرها في نهاية الثمانينات، ولاقت شهرة واسعة النطاق حينها، غير أن ظروف الغزو العراقي الغاشم للكويت بالإضافة إلى وفاة عبدالرضا في شهر نوفمبر من العام 1992 حال دون إتمام العمل، كما أثّر ذلك بالسلب على رغبتي في النحت، ما أدّى إلى توقفي تماماً عن مزاولة النشاط حتى العام 1998، ثم ما لبثت حتى توقفت ثانية بدءاً من العام 2005 ولغاية العام 2013، وهو تاريخ وصولي إلى الولايات المتحده لعلاج ابنتي «بشاير» لفترة استمرت 4 سنوات، وقد تلقيت خلالها تدريباً احترافياً مكثفاً لدى نحات أميركي متخصص، وأنتجت العديد من الأعمال.
• ما هو الأفضل بالنسبة إليك النحت على الصخور أم الخشب والخزف؟
- أنا أعشق النحت غير المباشر، وهو النحت على الطين المائي، ومن ثم تحويله إلى مادة صلبة من البرونز أو الجبس أو «الريزن».
• ما هي الحضارة التي تجد نفسك «كنحات» أقرب إليها دون غيرها؟
- لقد اطلعت على معظم الفنون المرتبطة بالحضارات، بدءاً من الحضارة الفرعونية، مروراً بالحضارتين البابلية والفارسية، ووصولاً إلى الحضارتين الرومانية والإغريقية، لكنني لا أستطيع القول إني تأثرت بأيّ منها، لكونها تنتهج الخط الكلاسيكي الذي لا أفضّله في أعمالي، رغم روعة هذا النوع من الفن، وله من العشاق الكثير.
• إذاً، إلى أيّ المدارس الفنية تنتمي؟
- أنتمي إلى المدرسة الواقعية، وتحديداً الواقعية الاشتراكية التي ازدهرت في الحقبة السوفياتية من القرن السابق، وهي تعتمد على الصراع بين شخصية النحات والشخصية المنحوتة، ولا تُفترض الحيادية في النحات، بل يجب أن يُسقط تمرده وثورته على الواقع لتظهر جلية في أعماله، فتجدونها تتميز بحدة التعابير وعمقها إلى درجة تجعل ملامحه غاضبة إلى حد كبير.
وإن اختلفت في بعض تفاصيلها عن الشخصية الحقيقة فهذا أمر غير ذات أهمية، حيث إن النحات يجب أن يظهر قوة شخصيته هو في المقام الأول.
• ما هي أبرز الشخصيات التي قمت بتخليدها في أعمالك؟
- شخصية «أمير القلوب» الشيخ جابر الأحمد، طيّب الله ثراه.
حيث قدمتها وفق رؤية خاصة وأسلوب ينتهجهُ النحاتون المكسيكيون.
إلى جانب جدارية الشيخ زايد بن سلطان طيّب الله ثراه، وذلك بطريق النحت الروماني.
فضلاً عن تمثال عبدالحسين عبدالرضا، وتمثال الدكتور آلان كوين الذي عمل قرابة الـ 19 جراحة في القنوات الكبدية لابنتي بشاير.
أيضاً، جدارية اللاعب بدر المطوع، وتمثال الفيلسوف الاقتصادي الألماني كارل ماركس.
• كم هي الفترة الزمنية التي تقضيها في النحت للمجسّم الواحد؟
- متوسط الفترة اللازمة لصنع المجسمات تقريباً من 4 إلى 8 أشهر، حيث تنقسم بين النحت وبين صنع القالب من السليكون أو من الفايبر غلاس أو الجبس، مروراً بمرحلة عمل نسخة شمعية مع المجسم، وانتهاءً بصب البرونز.
• ما أهم المعارض التي شاركت بها، محلياً ودولياً؟
- في الحقيقة أجد نفسي مقلّاً بالمشاركة في المعارض، نظراً لارتباطي الدائم بمتابعة حالة ابنتي الصحية، ومع ذلك فقد شاركت بمهرجان القرين الثقافي 2018 وفزتُ فيه.
ومن خلال عضويتي بالجمعية الوطنية الأميركية للنحت، عُرضت أغلب أعمالي لديهم في الفترة من 2015 إلى 2018، كذلك تم عرض أحد أعمالي في جامعة «سان كارلوس» في المكسيك.
• برأيك، ما الذي ينقص المبدعين في مجالات الفنون التشكلية والنحت؟
- ينقصنا بيئة صالحة تنظر لهذا النوع من الأعمال على أنه فن جميل لا أكثر.
ومن الضروري توفير مراسم مجهزة بإضاءة عالية الجودة ومساحة كبيرة وتهوية ممتازة، بالإضافة إلى المواد الأولية الضرورية والأدوات المستخدمة للنحت.
أضف إلى ذلك أن النحت يعتبر من الهوايات المكلفة مادياً، ولا أبالغ إذا قلت إن متوسط التكلفة لصنع أيّ عمل قد تصل إلى 4000 دينار كويتي.
• هل ما تقدمه من أعمال، يمكن تصنيفه من الأعمال الفريدة والنادرة؟
- طبعاً. بالمقارنة بأعداد مَنْ يمارس الفروع الأخرى من الفنون تجد أن النحاتين في البلاد عددهم محدود جداً، فمن الطبيعي أن يكون ما أقدمه ويقدمه زملائي النحاتون من الأعمال النادرة.
• بحكم تواجدك في أميركا، كيف يرى الفنانون هناك أعمالك الفنية؟
- أميركا بلد عظيم، يشجعك على الإبداع وتنمية مواهبك الفنية على وجه الخصوص.
عندما أتيتُ إلى تكساس في العام 2012 كانت مهاراتي جداً بسيطة، حتى لاحظ موهبتي أحد النحاتين المحترفين وقام بتدريبي لمدة 3 سنوات، علمني خلالها كل ما يستطيع، ابتداء من دروس التشريح إلى النسب الصحيحة والتماثل في أجزاء المنحوتة، وتحديد نقاط الظل والإضاءة، وانتهاءً بصناعة القوالب وصبها بالمادة النهائية.
كما أن التشجيع في الولايات المتحدة يصل إلى حد النشر الإعلامي، فعلى سبيل المثال قامت إحدى المؤسسات الإعلامية بوضع صورتي على صفحة الغلاف في أحد إصداراتها، وتم تناول نشاطي التجاري والفني بعدد 4 صفحات داخلية، كما أجرت مجلة مركز تكساس الصحي لقاء صحافياً معي بمناسبة أحد أعمالي الفنية التي صنعتها لأحد الأطباء العاملين بالمركز. باختصار، الشعب الأميركي رائع ويدعم الفن بشكل جنوني، بغض النظر عن شخص الفنان واسمه وجنسيته، فهذا الشعب يجبرك على أن تحبه وتحترمه.
• وكيف يرى الشعب الكويتي هذا الفن؟
- الكويتيون لديهم ذائقة مميزة للفن بجميع ألوانه، ولولا الدعم المعنوي والتشجيع الذي تلقيته منهم لما استمررت.
• حظيت بتكريم لم يحصل عليه فنان كويتي قبلك، من الرئيسين بوش الأب والابن، فكيف تم ذلك؟
- من حُسن حظي أنني أعيش في ولاية تكساس، وهي الولاية التي يتحدّر منها الرئيسين بوش الأب والابن. عند قيامي بنحت تمثال المغفور له أمير القلوب الشيخ جابر الأحمد، أرسلت لهما صوراً لمراحل صنع التمثال، وتفاجأت بتفاعلهما معي، حين وصلت ليّ رسالة شكر من الرئيس جورج بوش الابن شخصياً من دالاس، ورسالة شكر مماثلة من مكتب الرئيس جورج بوش الأب في هيوستن، حيث أوصى أن يتم اقتناء التمثال من قبل جامعة «Texas A and M» لكن لم يتحقق ذلك.
وفي النهاية تم اقتناؤه من قِبل جامعة تكساس التي تتلقى ابنتي بشاير العلاج في أحد المستشفيات التابع لها.
• ما هي المحاذير التي لا يمكن أن تقوم بمخالفتها؟
- أحرص دوماً على ألّا تتنافى أعمالي مع الآداب العامة للمجتمع الكويتي والإسلامي.
• وما هي الأعمال التي ستعكف على تنفيذها قريباً؟
- لديّ 3 أعمال انتهيت من نحتِها، وحالياً هي في مرحلة صب البرونز، أحدها تمثال للجراح البروفيسور جون ستيف باينون، الذي قام بإجراء عمليتين لزراعة الكبد لابنتي، بالإضافة إلى جراحات أخرى.
وتمثال لشيخ من الجزيرة بالزي الكويتي القديم، وشخصية «حنظلة الكاريكاتيرية» للرسام الفلسطيني الراحل ناجي العلي. كما أعكف على نحت شخصية كويتية بارزة سأكشف عن ملامحها لاحقاً.