علي سويدان / المجلات الأدبية... «سبع صنايع...»!

تصغير
تكبير
إن الأدب ونتاجه ما هو إلاّ خُلاصة مشاعر الأدباء وصفوة تجاربهم ورحيق الأشواق في قلوب الناس، وجُملة من الأحاسيس سَكَبوها بماء العيون على السطور، فماذا لو رُميت هذه السطور وما فيها في سلة المهملات؟! ليس صحيحاً أنّي أُثْقِلُ بكلامي كاهلَ المجلات الأدبية الْمُحَكَّمة، وأقصدُ بـ(الْمُحَكَّمة) لمن غاب عنه ذلك، أي المجلة التي تنشرُ مواد، أو أعمالاً نظرتْ فيها لجنةٌ منَ الْمُحَكِّمين واعتمدتها أو أجازتها بمعاييرَ فنيَّة عدة في حقلٍ من الحقول المختلفة.

ولعل كثيراً من الكُتّاب وأصحاب الأقلام والأدباء يشاطروني الرأي أن عدداً ليس بالقليل من هذه المجلات لم تُبقِ منها الأيامُ سوى جملةٍ من الرتابة والأداء البطييء، وتسيطر عليها عقلياتٌ تتظاهرُ بالتقدم ومواكبة العصر بينما هي باقيةٌ من الداخل على رتابتها المقيتة، وأدائها المتكرر دون تغيير حقيقي نحو أداء عصري يُماشي متطلبات جديدة ومُلِحَّة في أيامنا هذه أولِ القرن الحادي والعشرين! لستُ بصدد الاسترسال في عرض مغالطات تتكرر كل ساعة في دوائر مجلاّتنا الأدبية، ولكني سأُعَرِّجُ على ذلك ما استطعتْ، كثيراً ما قلْتُ أن العاملين في أيِّ حقل من الحقول يجبُ أن يكونوا متخصصين في المجال الذي هم بصدده، وليس مقبولاً عقلاً ولا عرفاً أن يُعطى الخبزُ لغير الخبّاز! إن حالة من الغموض تكتنفُ أدبنا ونتاجَه وتوشِك أن تعصفَ به، بينما أمم الأرض تشق الطريق في امتداد واضح لأدب السابقين، إن مفسدةَ أيِّ أمرٍ تبدأُ من إسناده إلى غير أهله، أو تكليف المتخصص بجانب أن يتولّى جوانبَ عدة، أرجو أن تكفي هذه المقالةُ لِلَفتِ انتباه أهل الأدب وجموع المثقفين وسادات الثقافة في عالمنا الأدبي لنتخذ خُطوة ما تجاه ما يحدث، ثمة مجلات أدبية مُحكمة، وليس كلّ المجلات، تحتاج إلى إعادة هيكلة ليس بتغيير الوجوه أو الموظفين، أو رَفعُ طربوش لينام تحتَه آخر! بل بتغيير صادق بنمط التفكير في سياسة هذه المجلات وطريقة اختيار الْمُحَكِّمين فيها، إن اعتماد المادة الأدبية على طاولة التحكيم ليس مهمة يقوم فيها شخص بعينه دون لجنة تجتمعُ على النص لتناقش عناصر نجاحه من عدمها، وليس مقبولاً أن يجريَ الأمر بانفراد. مسألة تحكيم نص أدبي تلزمه حالة من النقاش الحر والجريء تضع الأمور في نصابها، وتُبعد الدور المقيت للْمُحَكِّمِ بانفراده بذلك دون تشكيك في قدراته؛ فالهدف من التحكيم إثراء عملية النقاش من أفكار متمازجة تُخرجُ لنا خلاصة حقيقية للعمل الأدبي الذي نحن بصدده، وكيف نصل إلى ملامسة هذا كلِّه دون لجنة تُحَكِّمُ العملَ الْمُقَدَّمَ؟! أما أن نقعَ على مُحَكِّمٍ واحد للشعر والقصة والحوارية والمقال... ويقوم بتحكيم هذا كله! مَنْ هذا (السوبرمان) الذي مَلَكَ مفتاح الكنوز في الأهرامات حتى يكون قادراً على تحكيم فنون أبحر فيها الأدباء والنقاد وقد امتلأت الجامعات بتخصصاتها المختلفة في الأدب حتى يأتي صاحبنا فيُحكِّمَ هذا كله! نحن أمام مفترق طرق في هذه المسألة، ومسؤولية ثقافية سيسجلها التاريخ في صفحاتنا إن نحن تركنا الحبل على غاربه، علينا إسناد تحكيم القصة إلى دارس مجاز فيها ومتمكن في تحليلها، وكذلك الشعر.. وليس كلُّ شاعر هو قادر على النقد ولو ارتدى ثياب النقاد، تلزمنا الإرادة الحقيقية لتحرير عقولنا من عوالقها حتى يتحرر الأدب ونتاجه، سيكون ذلك أفضل بكثير من أن نُسنِدَ المهمةَ لشخص واحد وتكون النتيجة (سبع صنايع... والبخت ضايع)!





علي سويدان

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي