pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

بوح صريح

آخر الشعراء النبلاء

مات آخر خال لي...

خالي عفيف رحمه الله. وهو المتوسط بين خوالي الأربعة: حبيب، فؤاد، والأقرب لي، رفيق أبو مروان.

لم ألتق بخالي حبيب إلا نادراً، حين كنت صغيرة ولدي بعض صور له. كان لديه لحية بيضاء وابتسامة حنونة.

لكن لي قصة مختلفة مع خالي فؤاد. فقد كان شاعراً حالماً شفافاً رقيق الحس. أتذكره طويلاً نحيلاً مختلفاً. ذا مزاج حاد متقلّب كحال الشعراء. حزيناً وانعزالياً. وكنت أتبعه كظله. أتأمله في عزلته وكيف يشرد حين يحاول التقاط الكلمات من إلهام يطير به بعيداً. كنت ربما في العاشرة أو أكثر بقليل. يمازحني ويضفّر جديلتي الطويلة، التي تنتهي بشريطة حرير. ويجلس يكتب وأنا عند قدميه. ربما أحببت الكتابة من متابعتي ومراقبتي له. ربما سرقني إليه كل هذا الحنين لدخول عالمه وتقمص حالته، ومنه بدأ حلمي في الكتابة يتشكل... وربما هي مجرد خيالات.

اصطحبه أبي إلى الكويت وعاش معنا في منزلنا الكبير في كيفان، شارع عمر المختار سابقاً. لكنه لم يندمج كثيراً. أخذه بابا معه لمساعدته في محلاته المقابلة لقصر السيف. وكنت وإخواتي نلعب على السلالم الطويلة صعوداً ونزولاً، حتى يحين وقت الغداء. فنعود جميعاً وهو معنا. ثم أخذه بابا معنا برحلة لجزيرة فيلكا فأحبها كثيراً، وكتب فيها على شاطئ البحر. ليتني قرأت أو احتفظت ببعض ما كتب.

ثم عاد إلى لبنان بعد حين. وغرق هناك. وتخيّلته يطفو على الماء، وأوراقه متناثرة على سطح البحر معه.

رحل خالي فؤاد الشاعر. لم أقرأ له أو يقرأ له أحد... ولم يعرفه أحد شاعراً.

وظللت قريبة لخالي العزيز رفيق - الأقرب لماما رحمها الله - كان خالي وأخي وأبي وصديقي. عانى في الحرب، وفقد إحدى عينيه بسبب شظية. ثم أحيل إلى التقاعد وعاش أياماً صعبة، ورحل بهدوء مبتسماً وضاحكاً كعادته. وقالوا ظل يقول النكات لآخر لحظة وهو يحتضر حتى يرى البسمة على وجوه أهله من حوله.

كلما سقط أحد من أهلك أو أهل أمك. يموت بعضاً منك أيضاً ويذهب معه. يسقط منك فم أو عين أو إصبع ويد... وهكذا يبقى جزء منك متعلقاً بما يسمى الحياة. حتى يحين أوانك.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي