أمها فرنسية وأبوها يوناني، بدأت الغناء عام 1994 وكانت في الـ14 من عمرها، واشتهرت في فرنسا 1999 وذاع صيتها في اوروبا منذ عام 2001 الى شهر اكتوبر الماضي الذي فجرت فيه خبر اشهار اعتناقها الاسلام، انها مغنية الراب الفرنسية (ديامس) 29 عاما، بعد الشهرة الواسعة والمال الوفير، لكنها لم تجد السعادة ولم تذق طعم الراحة، فالكاميرات تطاردها كأي فنانة مشهورة، فأحست بأنها ادخلت السرور على الآخرين ولكنها خسرت الشعور بالامن النفسي وفقدت معنى الحياة، ووجدت في كلام شقيق صديقتها الشاب المغربي «عزيز» عن الاسلام مفتاحا لاكتشاف الذات والدخول في عالم جديد يجمع بين الامن النفسي والامان الاجتماعي فأسلمت في اكتوبر 2009 والتزمت العبادات وارتدت الحجاب الشرعي، بل امتنعت عن مصافحة الرجال، واخذت تتردد على مسجد (جان فلييه) في باريس لأداء الصلوات.
الحدث ذو دلالات عديدة، منها قدرة الانسان على الاختيارات المتعددة بل المتناقضة، فالانسان يتميز بهذه الخاصية الفردية، ولذا علينا - لا سيما اليائسين من انفسهم - ان نشطب من قاموسنا النفسي والعقلي كلمة «ما أقدر» و«لا استطيع»... والدلالة الثانية هي هذا التناقض بين الظاهر المكشوف والباطن المستتر بين ما يعلنه الانسان من خلال سلوكه ونشاطه وبين ما يعتلج ويضطرب بين جوانحه وفي اعماق نفسه... وهذا يغلب على كثيرين من المنتسبين لعالم الفن والفنانين العالميين المتقدمين والمتأخرين.
فمظاهرهم الفرح وباطنهم العذاب... ودلالة ثالثة ان مغنية الراب دخلت الاسلام بصدق وقناعة لذا نراها مباشرة تطبق بشكل تلقائي حديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم»... قناعة ثم تطبيق، فالمغنية (ديامس) طبقت الاسلام على نفسها مباشرة... لأنها صادقة... قارن بين استجابتها الطبيعية لالتزامها بالاسلام، وبين ازدواجية ومزاجية كثير من بناتنا المستسلمات لما يمليه عليهن «القرد الاعظم للموضة في فرنسا او ايطاليا او...» حسب تعبير الفيلسوف عبد الوهاب المسيري... والاخطر من ذلك عدم الاكتفاء بالتفريط في الالتزام بآداب وأحكام وعبادات الاسلام من بعض المنتسبين اليه.
وكلنا يفرط من باب الضعف البشري، ولكن التطاول على احكام الاسلام ومن ذلك احكام الحجاب، امس بعد صلاة الجمعة ادركت ثلث الساعة الاخير من «حوار العرب» على قناة العربية، وكان موضوع التساؤل الموجه للجمهور للتصويت عليه هو: هل المرأة مساوية للرجل أم مكملة؟ وتعليقي في ما يخص موضوع مقال اليوم هو ان مدير الحوار وجه سؤالا عن الحجاب للوزيرة المصرية السابقة ميرفت التلاوي وهيفاء أبو غزالة عضوة المجلس في الاردن فاتفقت اجابتاهما على ان الحجاب لا يمت للاسلام بصلة كما قالت هيفاء، وليس من الواجبات كما تلفظت ميرفت!!! وهذا ما ذكرني بمعركة الحجاب القريبة من البرلمان الكويتي والتي هي صورة عن سلسلة معارك حول هذا الحكم الشرعي عالميا... ولم اكتب في موضوع الكويت مقالا واحدا وقتها لأنني تناولته بشكل تفصيلي عدة سنوات من خلال القلم والتلفاز في برنامج رمضان الماضي، وما اريد بيانه ان ما قالته المشاركتان في قناة العربية هو تكرار لما قالته اقلام انثوية وذكورية وبرلمانيون رجال ونساء، اي انهم لم يكتفوا بالصراع القانوني حول الزامية المرأة في البرلمان بالحجاب، ولكنهم قفزوا في بادرة جديدة الى تكرار عبث وشعوذة الكتاب حسين احمد امين والمستشار سعيد العشماوي ونوال السعداوي... وغيرهم كثير من تيارات فكرية متنوعة... الذين جاوزوا قاسم امين في تحرير المرأة الذي اكتفى بكشف الوجه والكفين، لكنهم زعموا أن الحجاب ليس من الدين بالضرورة!! او انه فرض لظروف خاصة موقتة!! (انظر تفنيد هذا الوهم كتاب سقوط الغلو العلماني للدكتور محمد عمارة) وكتاب (العلمانيون والقرآن للدكتور صلاح يعقوب يوسف)... لقد اهملت الرد على سـذاجة كتابات اقلام من بلدي لأنهم مقلدون لغيرهم واكتفينا بالرد على اساتذتهم وبسقوط الاساتذة يختفي التلاميذ لاسيما الكسالى.
ان حجاب وصلاة مغنية الراب الفرنسية لهو ابلغ رد على منكري الحجاب من فيلق كتاب العلمانيين والعلمانيات والليبراليين والليبراليات الاحياء منهم والاموات!!
الانسان مسؤول عن سلوكه الخاطئ وكلنا نخطئ ونقصر ولكن ان يمتهن تحليل الحرام لأنه يرتكبه فهذا تطاول يصل الى درجة الجنون...
آخر دلالة اقف عندها ان مغنية الراب المسلمة لم تسلم من الهجوم - ليس عليها فحسب - وازدادت موجات العصبية ويقظتها من جديد ضد المحجبات... ولقد سألتها احدى الصحف ماذا تصنعين بعد اسلامك وارتدائك الحجاب وارتباطاتك بعقود مع شركات لأغانٍ مقبلة، وقالت الصحيفة باستفزاز هل ستغنين بالنقاب ام بالحجاب أم...؟ فأصرت بعدم نزعها للحجاب وعمل تسوية مع الشركة للخروج من المأزق وبعد التهديدات من شركات الانتاج عادت تغني مكرهة وتنشد ولكن عن العنصرية والاخلاق لحين انتهاء فترة العقود...
هذه معاناة مسلمة صادقة جديدة خرجت من رحم عالم بيع الجسد ولذة الجسد وعبادة الجسد تصارع الحياة والاحياء من اجل استكمال الالتزام بأحكام الاسلام وآدابه بينما في عالمنا المتخلف تتعالى اصوات بإنكار وجوب الحجاب.
محمد العوضي