خيرالله خيرالله / جدار برلين... والهجمة على لبنان

تصغير
تكبير
بعد عشرين عاماً على سقوط جدار برلين، لا يزال العالم في حال مخاض. الثابت أن ما سيطيل حال المخاض السياسة التي اتبعتها إدارة جورج بوش الابن طوال ثمانية أعوام، بين العامين 2000 و2008. أقلّ ما يمكن قوله في شأن هذه السياسة أنها وجهت ضربة قاسية للهيبة الأميركية في العالم وأعادت الاعتبار لتوازنات جديدة ليس معروفاً كيف ستتبلور في نهاية المطاف.

في مرحلة ما بعد سقوط الجدار يوم التاسع من نوفمبر 1989، بدأ العد العكسي لنهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي شكل القوة العظمى الأخرى على الصعيد العالمي. انتهى الاتحاد السوفياتي بداية العام 1992. من حسن الحظ، أنه كانت هناك وقتذاك إدارة أميركية على رأسها جورج بوش الأب قادرة على التعاطي بشكل جدي مع المستجدات الدولية وتفادي مغامرات من نوع ملاحقة جيش صدّام حسين، المهزوم في الكويت، إلى بغداد، وإسقاط النظام من دون حساب للنتائج التي ستترتب على مثل هذا العمل على صعيد الشرق الوسط كله في غياب البديل.

كان إلى جانب بوش الأب رجال من طينة مختلفة يعملون من أجل الولايات المتحدة وليس من أجل إسرائيل. بين هؤلاء وزير الخارجية جيمس بيكر، ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي الجنرال برنت سكوكروفت على سبيل المثال وليس الحصر. كان هناك تفكير في كيفية المحافظة على المكاسب التي تحققت في اللحظة التي انهار فيها جدار برلين ومعه شعارات من نوع «الاشتراكية ذات الأساسات التي لا تتزعزع»، تحت ضغط المطالبة بالحرية وشعار «نحن الشعب» الذي أطلقه اولئك الذين اندفعوا في اتجاه الجدار بحثاً عن متنفس اسمه برلين الغربية. تبين أن الحرية لا يمكن إلا أن تنتصر مهما طال الزمن.

ينسى كثيرون أنه في الأيام التي سبقت انهيار جدار برلين، كان اللبنانيون يتوصلون إلى «اتفاق الطائف». كان هناك رجل في الخامسة والأربعين من عمره، في تلك الأيام، رجل مهووس بلبنان اسمه رفيق الحريري، يعمل من أجل التقاط اللحظة الدولية وانهاء الحرب الأهلية وحروب الآخرين على أرض لبنان. سعى إلى ذلك عن طريق اتفاق متوازن بين اللبنانيين يجعل بلدهم قادراً على أن يحمي نفسه من الاضطرار إلى لعب دور «الساحة» في وقت كانت الحرب الباردة تشرف على الانتهاء، وفي وقت بدأ البحث عن نظام دولي جديد تستقر عليه العلاقات الدولية. دفع رفيق الحريري من دمه ثمن إيمانه بلبنان واستيعابه المعادلات الدولية والإقليمية وتوظيفها في مصلحة الوطن الصغير. كان من بين الشخصيات العربية القليلة، حتى لا نقول النادرة، التي استوعبت، في حينه، أن العالم يتغير ومعه الشرق الأوسط، وأن على اللبنانيين أن يجدوا صيغة جديدة للعيش المشترك تحافظ على التوازن المسيحي- المسلم الذي من دونه لا وجود للبنان ولا مستقبل لأبنائه. كان مهماً أن يبحث لبنان عن اتفاق جديد بين اللبنانيين يقيه العاصفة المقبلة على العالم. المؤسف أنه لم يتمكن من ذلك، بعدما تبين أن انتهاء الحرب الباردة أعطى الضوء الأخضر لانطلاق حروب من نوع جديد في مناطق مختلفة من العالم. من بين هذه الحروب، تلك التي تشنها بعض القوى الإقليمية على لبنان. ولذلك، كان لا بدّ من التصويب على الرجل الذي أسس لبنان ما بعد انتهاء الحرب الباردة، ووفر له كل الأسس التي تمكنه من النمو والتطور والاستمرار.

كان «اتفاق الطائف»، الذي حاول النظام السوري خطفه منذ البداية وتجييره لمصلحته، بدءا باغتيال الرئيس المنتخب رينيه معوض، نقطة الانطلاق. وكان مشروع الانماء والإعمار وإعادة بناء البنية التحتية وتوفير فرص عمل للبنانيين ومنعهم من الهجرة بمثابة الشق المكمل لـ «الطائف». كان الدرع الحامية له. هل صدفة أن رفيق الحريري استشهد في لحظة خلل إقليمي تسبب بها الغزو الأميركي للعراق، هل صدفة الهجمة على «الطائف» من الطرفين اللذين رفضا الاتفاق منذ البداية وهما «حزب الله» الإيراني، والنائب ميشال عون الذي كان يتطلع في العامين 1989 و1990 إلى أن يأتيه الترياق من جاهل بكل ما له علاقة بالتوازنات الدولية والإقليمية اسمه صدّام حسين؟ هل صدفة أن تطرح حالياً مشاريع بديلة من «الطائف»، من نوع المثالثة (السنية- الشيعية- المسيحية) التي لا يؤمن «حزب الله» بغيرها، كي يعكس لبنان حال التشرذم وانفلات الغرائز المذهبية في المنطقة، هل صدفة ذلك الإصرار على السلاح غير الشرعي في لبنان كي تضمحل مؤسسات الدولة اللبنانية لمصلحة دويلة الأمر الواقع التي يبنيها «حزب الله» ويوسع رقعتها في كل الاتجاهات، خصوصاً على حساب الوجود المسيحي والدرزي في البلد، هل صدفة أنه توقف عملياً العمل في توسيع البنية التحتية وتحسينها منذ غياب رفيق الحريري؟

يفترض في الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين أن تحمل اللبنانيين على التأمل طويلاً بالهجمة التي يتعرض لها بلدهم، خصوصاً على شخص الرئيس سعد الدين رفيق الحريري وما يرمز إليه. يفترض بالذكرى أن تدفعهم إلى المقارنة بين النظامين اللذين يقودان الهجمة عليهم عبر أدواتهما اللبنانية وأدوات الأدوات. ألا يشبه النظامان إلى حد كبير النظام الألماني الشرقي الذي كان يتزعمه الستاليني اريش هونيكر الذي رفض حتى نصائح ميخائيل غورباتشوف له لدى زيارة آخر زعيم سوفياتي لبرلين الشرقية قبل شهر من انهيار جدار برلين؟

ما يدفع إلى بعض التفاؤل أن برلين الغربية هي التي انتصرت على برلين الشرقية. منطق التاريخ يؤكد أن بيروت ستصمد ولا يمكن إلا أن تنتصر على من لا يريد أن يستفيد ولو من درس واحد من دروس سقوط جدار برلين. في مقدم هذه الدروس أن الهرب من الأزمات الداخلية إلى الخارج، إلى لبنان وغير لبنان، لا يلغي المصير المحتوم لأي نظام من النوع الستاليني، حتى لو لبس لبوساً ذات طابع ديني، كما الحال في إيران.



خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي