منذ فجر تاريخنا العربي الإسلامي والغوغاء والسفهاء هم من يدير دفة الأحداث، فلو تمعنت النظر في أحداث هذا التاريخ لعرفت أن هذه الفئة كانت مسيطرة تماماً على مجريات الأمور وبسببها قامت الحروب ونشبت الخلافات، وللأسف كان الحكماء والعقلاء ينزوون بعيداً لأن أحداث كهذه لا تناسبهم ولا يطيقون العيش في أجوائها. أمعن نظرك في أحداث تاريخنا تجد هذه الحقيقة واضحة وضوح الشمس لمن قرأ التاريخ وعرف أحداثه. واستمرت سيطرة الفئة الغوغائية على زمام الأمور حتى في عصرنا هذا كما هي الحال في باقي العصور.
دع فكرك يجول في أحوالنا السياسية وأطروحاتنا وكيفية النقاش فيها لتجد أن غوغائية عمياء أحكمت سيطرتها على مجريات الأمور حتى أصبح الناس تمتعض نفوسهم وهم يرون ويسمعون ما يطرح، الكل يجمع على تفاهة وسفاهة ما يطرح، وعلى تدني بل انحطاط أساليب النقاش والنقد، ومع وجود أعداد كبيرة من الحكماء والسياسيين الفطاحل الا أنهم منزوون مبتعدون عن الساحة لأن مثل هذه الأجواء المريضة لا تناسبهم البتة ولا يستطيعون العيش فيها.
دع عنك السياسة... اذهب الى عالم الأدب والشعر لترى كيف أن أدباءنا وشعراءنا الكبار الذين ينظمون الدرر قد لا يكونون معروفين حتى في مجتمعاتهم، والغلبة والشهرة لمدعي الأدب الذين لا تعرف لأدبهم وأشعارهم طعماً ولا رائحة ولا لونا، والكبار في عزلة تامة عن الساحة. وقس على ذلك جميع مناحي الحياة من فن، وكلمات أغان، وألحان، ورياضة، وما تشاء من جوانب حياتنا... الغوغاء هم المسيطرون ولهم سدة القيادة.
في الحرب بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كاد الفريقان أن يصطلحا بعد أن تم الاتفاق بينهما على كل شيء تقريباً، الا أن تراشق السفهاء من الطرفين بالكلام أولاً وبالنبال ثانياً في صباح اليوم الموعود لابرام الصلح أشعل تلك الحرب الملعونة بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة وكلا الفريقين يرى الفريق الآخر يرشقه بالنبال بفعل هذه الفئة الغوغائية، ولو قرأت وتمعنت كيف كانت الحرب وكيف قامت لأيقنت اليقين الكامل أن سفهاء الطرفين هم من أشعل الحرب لا عقلاؤهم، ولعلمت كيف يكون دور هذه الفئة في جميع المجتمعات وعلى جميع المستويات، ولاستبان لك كيف تعمل هذه الفئة.
أقول هذا مع علمي أن أغلب الناس على علم ومعرفة به، لكن ما لا يعرفه بعض الناس أن على حكماء المجتمع وعقلائه مسؤولية تجاه مجتمعاتهم، وهذه المسؤولية هي مواجهة ومجابهة المد الغوغائي، وهذه المواجهة أقرب ما تكون إلى الجهاد إذ تنطوي على كثير من الجهد والتعب، ولها ضريبة قد تكون كبيرة وكبيرة جداً لكنها تبقى هي المهمة المنوطة بهم، وقد سبقهم حكماء المجتمعات وعقلاؤها بهذا الدور، ومنهم من أصابه الأذى والعنت، لكن ظهرت نتائج وقفتهم تلك وعرف الناس أدوارهم البطولية حتى ولو بعد حين، وفي التاريخ القريب والبعيد عبرة عن دور تلك الفئتين في قيادة دفة المجتمعات.
محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
[email protected]