ما الرابط بين قطع غيار السيارات ورياض الأطفال؟! طبعاً الجواب سنعرفه لاحقاً. فلو أجرينا مسحاً سريعاً لأي سوق في أي بلد عربي سوف نلحظ أمراً يتكرر في معظمها، بالطبع الذي يتكرر في الأسواق العربية ليس فقط البضائع الصينية، بل الذي يتكرر أيضاً وجود وكالات البضائع على اختلافها باسم عدد قليل من التجار؛ وتعني تلك الملاحظة أن جملة كبيرة من الأغذية المستوردة والألبسة والأجهزة الالكترونية والكهربائية والمعدات، وغير ذلك، حتى وكالات العرض والمناقصات الخاصة والعامة، وحتى تراخيص المعاهد والمدارس الخاصة، وكل أنواع التجارة إنما تتركز في يد عدد قليل تتبادل أدوارُهم، وربما هذه الملاحظة ترقى لمرتبة الظاهرة في بلادنا في الشرق! ولعل أحداً يقول ان هذا الأمر منتشر أيضاً في أميركا وأوروبا، نقول له نعم هو موجود في أميركا وأوروبا لكن قانوناً ما يحترم الإنسان هناك من احتكار الأسواق وتسييس الاقتصاد ليصبَّ في بؤرة المصالح الشخصية، ويمكننا النظر إلى القضية من زاوية أخرى، فلعل في مجتمعاتٍ مثل أميركا وكندا وأوروبا لا يفتح الباب لمن هبَّ ودبَّ ليصبح مستثمراً! بل الأمر هناك مختلف تماماً، الممارسات الاقتصادية والتجارية والتداول المالي هناك كلها أمور تخضع لمعايير التخصص في كل صغيرة وكبيرة، فلا تتخيَّل عاملاً للنظافة يُسمح له بممارسة العمل دون خبرة في مجاله كما هو عندنا (سبع صنايع والبختْ ضايع)؛ فلا يجوز لك أن تتخيل أنك إن أخذت مالاً لتستثمره في كندا مثلاً أن تُصبح هناك (شاه بندر التجار)، أقصد لا تتوقع أنه يمكنك أن تصبح مثلاً تاجراً لقطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه تمتلك عيادة في طب الأسنان، ولا بأس أن تفتح مدرسةً أو رياضَ أطفال! فهذه (الشوربة) لا يمكن توافرها في البلاد التي تحترم الإنسان وعقل الإنسان. فما علاقة قطع غيار السيارات برياض الأطفال؟! طبعاً العلاقة أصبحت واضحة بين أكثرنا نحن العرب؛ فمحلات قطع غيار السيارات تبيع قطع الغيار للناس، والناس عندهم أطفال والأطفال يذهبون إلى رياض الأطفال، وصاحبنا المستثمر تزيد أمواله لأنه يمتلك محلات قطع غيار السيارات وعنده مدرسة خاصة وفيها أيضاً رياض للأطفال، فصاحبنا المستثمر هو الرابط العجيب!
أليس أمراً مؤسفاً أن يُفتح باب الاستثمار أمام الجميع دون النظر إلى تخصص المستثمر، فليس كافياً أن يكون مدير المشروع أو المؤسسة يحمل التخصص المناسب للعمل، لأنه في نهاية المطاف ينفِّذُ قرارات تنبع من عقل صاحب العمل؛ وإذا لم يكن صاحب العمل متخصصاً في مجال عمله ستنعكس الفوضى على ممارساته وعلى القطاع بأكمله، وستظهر مفاسد هذا التجاوز خلال الوقت على التطبيقات العامة في المؤسسات والقطاعات التجارية والعمل بشكل عام. إن الذي يدفع بعجلة الوطن أيَّما وطن نحو التقدم هم وجوه البلد وأصحاب رؤوس الأموال، فماذا يحدث لو استثمر كل شخص على هواه في ميدان لا يفهم منه شيئاً، النتيجة واضحة بالطبع فيما آلت إليه أحوال عالمنا العربي وأمتنا المسترخية! قلتُ مرةً أن بعضاً من بلداننا العربية لا تقبل على سبيل المثال أن تمنح ترخيصاً لشخص ليفتح مدرسةً دون أن يكون حاملاً لشهادةٍ تربوية أو معلِّماً متقاعداً، فليس من المعقول أن نُرخِّص لمن يحمل شهادة في الهندسة المعمارية بفتح مجمَّع طبيِّ فقط لأنه يملك مالاً. إنْ كنا حريصين بجدٍّ على النهوض بأمتنا على امتداد بلاد العرب علينا نحن الشرقيون أن ننظر بوعي تجاه عملية بناء الوطن والإنسان ببرامج ومعايير تواكب التقدم في العالم، لا أن نعيش وهمُّنا الوحيد الجري وراء المال، فالإنسان هو الذي يصنع المال وليس المال الذي يصنع الإنسان!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]