لو بُعث أبو العلاء المعري اليوم وهو أمير الشعراء الفلاسفة، أو عاش المتنبي من جديد، أو غيرهما من عظماء الشعر العربي من أي حقبة من تاريخنا الزاخر فليس صحيحاً أننا سنحفل بشعرهم حال وجودهم بيننا كما نحفل اليوم بشعرهم وهم بعيدون عنّا! ولعل هؤلاء الشعراء يفضلون البقاء في عالمهم على أن يكونوا بيننا فنحكمَ عليهم بالسجن أو النفي! ولا أريد أن يكون كلامي مبالغاً فيه.
إن حالةً من التكلُّف اللفظيِّ في مصطلحات الأدب العربي اليوم على اختلاف فنونه من شعر وقصة ورواية ونلحظها أحياناً في لغة النقاد، لم تزعج قراء الأدب فحسب بل كشفتْ صورتَنا الحقيقية وما آلتْ إليه أفكارنا الْمُربكة؛ إنَّ جَرْيَنا وراء التكلُّف والتصنُّع في مصطلحات التعبير دخولاً بممراتِ تطورِ الأدبِ الأميركي عامةً والأوروبي خاصة أمر يعكس حالة التبعيَّة المطلقة التي تمر بها الأمة منذ فترة ليست بالقصيرة.
يتضح ذلك جلياً حين نعلم أنَّ أول من كتب القصيدة النثرية هو أحمد راسم، وهو شاعر مصري (1895_1958م) تغْلِبُ الفرنسية على لغته وثقافته؛ فليس من السهل أن نفتح الحديثَ بخصوص شاعر وكاتب مثله هناك علاماتُ استفهامٍ كثيرة حول تجاهلِ أنصارِ القصيدةِ النثريةِ أنفسهم إلقاءَ الضوء على نتاجِه أو إبراز سيرته وهو رائدهم! وقد يزداد اهتمامنا لمعرفة المزيد عنه حين نعلم أنه ثنائي اللغة، يكتب بالفرنسية التي يجيدها مثلَ كاتبٍ فرنسي بارع إن لم يضاهه، ويكتب بالعربية التي يطوِّعها بإتقان. وإذا كان أحمد راسم قد انحاز في النهاية الى الفرنسية لتكون لغتَهُ الإبداعية فقد كان أيضاً وجهاً مشرقاً للعرب تجاه الغرب، فلم يتخلَّ عن العربية وكتب بها أعمالاً ونصوصاً نقدية في أواسط حياته. ليكون هذا الشاعرُ صاحبَ أولِ ديوانِ قصيدةِ نثرٍ في مصرَ والعالم العربي، فأصدر في العام 1922م ديوان «البستان المهجور» الذي يكاد يُعدّ اليوم من الأعمال المفقودة والمجهولة تماماً مع أنه أثار حين صدوره سجالاً في القاهرة وهاجمه أحمد شوقي وآخرون. وقد ضمّ الديوان فقط قصائد نثرية تتراوح بين النص الكامل والجمل المختصرة جداً.
أظن أنني من دعاة التمدن وأخذِ كلِّ ما هو مفيد من الغرب غير أني لستُ ممن يُروِّجون لقصيدة النثر، ولستُ ممن يدعون إلى محاربتها، وأَعجبُ كلَّ العجب من المبارزات القائمة بين طرفيْ السجال؛ بين منحازٍ لقصيدة النثر ربما لأنه لا يَبْرعُ في كتابة غيرها! وبين مُعلنٍ الحرب عليها لأن البساطَ تحرَّك من تحت قدميْه! لست بصدد الحديث عن عقلياتٍ احتكارية في مؤسسات ثقافية، ومجلات محكَّمة على امتداد الشرق تروِّج لنتاج أصحاب القصيدة النثرية على حساب المدرسة الأم للشعر العربي، فمن المعيب أدبياً أن تجري هذه الممارسات على الأرض، فربما لو تقدَّم البحتري بقصيدة لإحدى هذه المجلات المحكَّمة لاشترطوا أن تكون قصيدته نثرية!
ثمة وهمٌ يعيشه بعض الكتّاب والنقاد في اللجوء إلى التعابير الشعرية والنقدية التي ربما لا يفسر مدلولاتها أحد حتى الكاتب نفسه! لِتُمْسي كتابةُ القصيدةِ النثريةِ مخاضةَ كلِّ متطفِّلٍ على اللغة، يظن نفسه متحرراً من قواعد النحو، أو يظن نفسه من دعاة التحرر الشعري والثورة على التفعيلة. وفي الجانب الآخر وكعادة العرب يُجيدون التراشق على حساب مصالحهم وثقافتهم نجد أنصارَ قصيدةِ التفعيلة ما زال كثير منهم يعيشون في أبراج معزولة عن تطورات أدبية تتفاعل حولهم.
هناك حالة من الانفصال في الساحة الأدبية بين جماهير الشعر العربي والخاسر فيها رصيد أدبي للمكتبة العربية تاركوه لا محالةَ لأجيالٍ ستُنصف في حكْمها الأدبَ وحده، فلغةُ الأدب اليوم سواء في القصيدة النثرية أو التفعيلة أو غير ذلك من فنون الأدب ما هي إلاّ لغةٌ تُمَهِّدُ لِهُوَّةٍ كبيرة بين الأديب والقارئ، والذي يقف وراء هذا كُلِّه كاتب أو ناقد يلجأُ إلى المصطلحات المتكلَّفة بعيداً عن اللغة السلسة مُقْحماً قلمَه في مركبات لغوية مهجَّنة، أتتْ إلينا معلبةً تماماً كما جاءت فكرة التحرر من التفعيلة!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]