انها مسألة أيام قليلة فقط. بعد انتهاء عطلة عيد الفطر المبارك، تعود الحماوة إلى الساحة السياسية اللبنانية. ما يؤكد ذلك رفض الأقلية التي تضم الطرفين الشيعيين الأساسيين، أي «حزب الله» وحركة «أمل» تسمية رئيس للوزراء في الاستشارات التي أجراها الرئيس ميشال سليمان في قصر بعبدا الأسبوع الماضي. ما يكشفه هذا الموقف أن المطلوب إيرانياً وسورياً في هذه المرحلة أن يكون هناك فراغ في لبنان لا أكثر ولا أقل... مثل هذا الفراغ يسهل أموراً كثيرة على رأسها غياب مرجعية لبنانية في شكل حكومة برئاسة سعد الدين رفيق الحريري للمحكمة الدولية. ولكن هل لا تزال حاجة إلى مرجعية لبنانية للمحكمة؟
تتولى الأدوات الإيرانية - السورية المعروفة وأدوات الأدوات، المعروفة أكثر، تحقيق هذا الهدف. لو كانت المعارضة معارضة وطنية بالفعل، لكانت سمّت مرشحاً لها لتشكيل الحكومة. من حق المعارضة تسمية رئيس للحكومة والسعي إلى تأمين أكثرية نيابية له، على الرغم من صعوبة ذلك في ضوء نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة. ومن حقها خصوصاً تأييد شخصية تمتلك برنامجاً سياسياً تدعمه في وجه الرئيس الحريري كي تقول ان لديها ما تقدمه للبلد غير أشباه الأميين الذين يعتقدون أن للساقط في الانتخابات النيابة حقوقاً وأنه قادر على تأمين هذه الحقوق عن طريق إثارة النعرات المذهبية من جهة والسلاح الميليشيوي من جهة أخرى. ولكن ما العمل عندما لا يكون لدى هذه المعارضة سوى مرشح واحد اسمه الفراغ؟
يمثل هذا الفراغ تجسيداً لثقافة الموت التي تريد أن تواجه بها المعارضة ثقافة الحياة. انه البرنامج السياسي للمعارضة اللبنانية التي استكملت العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف العام 2006 بالاعتصام في الوسط التجاري بغية تدمير ما لم تستطع إسرائيل تدميره، أي ثقة اللبنانيين والعرب الشرفاء والمجتمع الدولي بلبنان وقدرته على الصمود وتمتع أبنائه والمقيمين فيه بالحياة الكريمة في إطار بلد مزدهر فعلاً بمؤسساته السياسية والاقتصادية، بلد لا يعيش على المساعدات والتقديمات الإيرانية وغير الإيرانية.
هناك ما يسمى معارضة لبنانية. على رأس المعارضة «حزب الله». كل ما يقوم به «حزب الله» مفهوم ومبرر نظراً إلى أنه مجرد لواء في «الحرس الثوري الإيراني» يمتلك أجندة خاصة به وضعت بنودها في طهران. وهناك لاعبان يتحركان في الإطار المرسوم لهما من الحزب. يتبين بعد الاستشارات النيابية الأخيرة أن الرئيس نبيه بري ليس سوى لاجئ سياسي عند «حزب الله. في حين أن الجنرال ميشال عون يؤدي الدور المطلوب منه بدقة شديدة. لا يزال همه الأول التغطية على كل ما يرتكبه «حزب الله» وتهجير أكبر عدد من اللبنانيين، خصوصاً المسيحيين، من لبنان. من لديه أدنى شك في ذلك يستطيع أن يطرح على نفسه سؤالاً في غاية البساطة هو الآتي: كيف يستطيع قائد سابق للجيش اللبناني تبرير اغتيال «حزب الله» للضابط الطيار سامر حنا لمجرد أنه حلق في طائرة هليكوبتر تابعة للجيش اللبناني فوق الأراضي اللبنانية؟ كيف يمكن لقائد سابق للجيش يدّعي أنه قاتل النفوذ السوري في لبنان التغاضي عن القواعد الفلسطينية، وهي فلسطينية بالاسم فقط، وقد أقامها النظام السوري داخل الأراضي اللبنانية؟ هذا غيض من فيض الأسئلة التي يمكن طرحها على النائب ميشال عون الذي لم يسأل نفسه يوماً لماذا لا يعود إلى مسقط رأسه في حارة حريك والإقامة في الحي الذي ولد وترعرع فيه قبل أن يؤمن له النائب ادوار حنين، رحمه الله، الوساطة التي أهلته لدخول المدرسة الحربية؟
لا عتب على ميشال عون الذي تصرف كسياسي في الماضي عندما كان عليه أن يتصرف كعسكري، فإذا به الآن، بعدما صار يعتبر نفسه زعيماً سياسياً، عسكرياً من الدرجة الأولى يطيع أوامر رؤسائه من دون أي اعتراض من أي نوع كان وذلك على طريقة نفّذ ثم اعترض! الرجل مهووس برئاسة الجمهورية. ولكن كيف يستطيع رئيس مجلس النواب العمل يومياً من أجل تكريس الفراغ في الوطن الصغير، هو الذي يعلم قبل غيره أن الجميع في لبنان أقليات وأن لا مستقبل لأي طائفة لبنانية مهما كبرت إلا في إطار لبنان. لا مستقبل للدروز إلا في لبنان، كذلك لا مستقبل للسنة اللبنانيين خارجه. ما ينطبق على الدرزي والسنّي ينطبق على الشيعي والمسيحي أكان مارونياً، أو أرثوذكسياً، أو كاثوليكياً، أو سريانياً، أو كلدانياً. كيف يمكن لرئيس مجلس النواب الرهان على الفراغ في لبنان، هل لديه بديل منه؟ كيف يمكن لرئيس حركة «أمل» الانقلاب على كل ما آمن به الإمام موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين؟
نعم هناك عتب على الرئيس برّي. في استطاعة الرجل أن يظهر ولو لمرة واحدة أنه حريص على المؤسسات اللبنانية، وأنه قادر على التحرر من وصاية «حزب الله». ما الذي يحول دون ذلك، هل فقد القدرة على السيطرة على حركة «أمل»... أم لديه حساباته السورية التي تجعل من هامش المناورة لديه ضيقاً جدا؟
لا خيار آخر أمام لبنان واللبنانيين سوى الصمود. من يعتقد أن النظام السوري قوي إلى درجة أن المجتمع الدولي كله، بما في ذلك الولايات المتحدة، متهافت على دمشق وأنه يفاوضها في شأن تقرير مستقبل المنطقة، إنما يراهن على أوهام. النظام السوري في أزمة عميقة. وما يشهده لبنان حالياً انعكاس لهذه الأزمة ليس إلاّ. أنه نظام غير قادر لا على الحرب ولا على السلام ولا على الانفتاح على العالم والتعاطي معه بشكل طبيعي. والأهم من ذلك كله أنه صار مكشوفاً أمام كل العالم، خصوصاً لدى الإدارة الأميركية الحالية. أما إيران التي يعتبرها «حزب الله» عمقه ومثله الأعلى، فإن التغيير فيها آت. الإيرانيون مثل اللبنانيين يؤمنون بثقافة الحياة. أنهم يدركون أن ما حصل في الانتخابات الأخيرة، التي جرت في الثاني عشر من يونيو الماضي والتي أعلن على أثرها فوز محمود أحمدي نجاد، كان انقلاباً نفذته المؤسسة الأمنية بمشاركة عدد من ضباط «الحرس الثوري». هل هذا هو النموذج الذي يعرضه «حزب الله» على اللبنانيين، هل هذا سبب دفعه في اتجاه الفراغ تحضيراً لانقلاب على الصيغة اللبنانية، واتفاق «الطائف» على غرار الانقلاب الذي شهدته إيران؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن