علي سويدان / البقاء... لله

تصغير
تكبير
مسألة التكافؤ بين أجور المبدعين وبين أدائهم المتميز إن صحَّ التعبير أمر يحتاج للتوقف، بالطبع ليس الأمر جديداً حتى نُفسح له، ولا نريد أن يبقى الكلام في هذه المسألة يدور في دائرة الكلام! فلم يعد أمامنا نحن العرب عامة وقتٌ للتردد في عالم يعمل على الثواني وليس على الساعة، مبدعون هنا وهناك تتلقفهم الشركات الخاصة في إبرازٍ لا مثيل له لإبداعاتهم حتى تلامس سمعتهم هالات النجوم وحين ترى هذه الشركات مصالحها في واد آخر تركوا المبدع لقسوة الكِبَر وجور الأيام، أنا لا أريد أن أسبح عكس التيار، ولا أدعو أحداً أن يفكر خلافاً للمنطق، كُلُّنا يعلم أن العمل ما هو إلاّ مصلحة وفرص وتسابق نحو المكاسب، بينما نكون مجحفين وخاسرين حين نمارس هذا كُلًَّه بعيداً عن الشعور بالوفاء للآخرين شركاتٍ وأفراداً، ففي الساحة الفنية مثلاً نرى كثيراً من أساتذة الدراما العربية لا يجدون مكاناً لهم بين الجيل الجديد، ومن هؤلاء مَنْ يرقد في فراش المرض من أعوام ولا يملكون ثمن العلاج! صحيح أن لاعب كرة القدم مثلاً حين يتقدم به السن وجب عليه الاعتزال لأن تبعاتِ هذه اللعبة تُقَيِّدُ حركتَه كلَّما اقترب من سن الثلاثين وكلامنا في العموم وليس في النادر؛ فالنادر لا يُقاسُ عليه، لكنَّ هذه الحرفة تحتاج هذا اللاعب المعتزل في الخبرة والأفكار والتدريب والتواصل الإيجابي مع الجيل الشاب، ولا أخص بكلامي مهنة محدَّدة.
أرفضُ بشدَّة أن يستغلَّ الأفراد شركاتهم التي يعملون فيها ويُحوِّلونها إلى جمعية خيْرية، وفي الوقت نفسه لا نريد أن تكون أداءاتُ العمل ودوائرُه النشيطة منعزلةً عن الواقع الطبيعيِّ للإنسان؛ فالإنسان في أسرته وبين أبنائه حين يتقدم به السنُّ يصبح غير قادر على الإنتاج المادي في الكسْب فهل نحكم عليه بالعزلة؟ ليس سويّاً أن يقوم أحد بذلك، ولا يُنكر دوْرَ آبائنا المسنين إلاّ ناكر للجميل أو عاق، بل نُقْبلُ على هذا الكبير بِسِنِّه وعقله ودرايته بروح المودة، وطلب الحكمة منه، وحب التواصل، وسعة الصدر كما وسِعَنا بصدره يومَ كُنّا صغاراً ولم نكنْ حينها ندري أننَّا صغاراً!
قلنا مراراً في اليابان تُقسَّم رواتب وأُجور العاملين إلى أقسام ثلاثة: القسم الأول يأخذه كُلُّ المواطنين وهو مبلغ بسيط يسد الحاجةَ المعيشية للإنسان، والقسم الثاني من الراتب يأخذه الإنسان في اليابان حسْبَ ساعات عمله، والقسم الثالث هو خاص بالمبدعين الذين قدَّموا اختراعاً جديداً فيُسمَّى الاختراعُ باسم مخترعه ويُصرفُ له مكافأةً شهرية مناسبة مدى الحياة، بالطبع هذا الكلام في اليابان!

إعادة النظر في حقوق العاملين في القطاعات الخاصة على امتداد الشرق أمر يضع نفسَه أولويَّةً في مقدمة حقوق العاملين، فلِمَ لا نطمح أن تمدَّ شركاتُنا العربية من المحيط إلى الخليج يدَها لتصنع شيئاً في هذا الجانب من دافع الوفاء لا غير الوفاء؟ ولا تترك الشركات الأجنبية منفردةً في تقديم الامتيازات لعامليها! لعل شركاتنا العربية تتجه نحو هذا الأمر ولا تنتظر قراراً يُلْزمها بذلك، وإن وُجِدَ قرارٌ بهذا الشأن لابد أن يُفعَّلَ مع آلية مجدية تحفظ حق العامل في القطاع الخاص في شيخوخته ومرضه.
إن الوفاء للجيل السابق وفاءٌ يدفعنا للعمل بجد نحوهم ونحو أنفسنا لا مجرد الخوض في محافل الكلام لنعبِّر بكلماتنا الجميلة عن هذه المسألة ثم نُلْبِسَها ثوب الدعاية الحلوة، ونذهب بعيداً عنها إلى مشاغل الحياة، وما أكثرَ تلك المشاغل. الحياة مع الصباح الباكر، ومشاركة الأهلِ همومَهم، واقتسام الأحلام مع الأحبة، والانتماء الصادق للوطن، كلُّ هذا يدفعنا نحو الوفاء بصدقٍ لمن أخلص في مهنته وأبدع في حرفته، لأنه شارك بجدٍّ في بناء المستقبل، وكلنا صورة حقيقية لهذا الإنسان العامل. والبقاء لله.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي