حينما اعتذرت وزيرة التربية نورية الصبيح عن بيان المنطقة التعليمية وعن تصرف المدرسة المتسرع لم تتوقع السيدة الوزيرة أبدا ان محاسبتها للمقصرين سوف لا يعفيها من المساءلة، بل أخذت حادثة الاعتداء على التلاميذ في العارضية ومسابقة السباحة المختلطة منحنى آخر عند غالبية أعضاء مجلس الأمة، إذ ان هناك من اعتبر الأمر لا يقل خطورة عن حوادث أدت إلى استقالة وزراء آخرين، وبالتالي هي تستحق الاستجواب «بامتياز»، وهناك من يطالب بعدم تضخيم هذه القضية أكبر من حجمها، بحيث انها قضية لا تستحق التسييس كون الوزيرة الصبيح من الكفاءات الوطنية التي تستحق هذا المنصب، واستطاعت من خلال هذا المنصب ان تقضي على مشكلة الاعتداء بسرعة قياسية اذ انها اوقفت مديرة منطقة الفروانية التعليمية في حينها، وأحالت مدير مركز السباحة المختلطة الى النيابة، وبالتالي ما يحدث عند بعض الأعضاء هو محاولة لتجميع ملفات «مصطنعة»، والتصيّد بقضايا متكلفة للنيل منها! في حين هناك دعوة أخرى من بعض الكتل البرلمانية تدعو الى استقالة الصبيح واعفائها من منصبها وفقا للمادة 56 من الدستور، لان الجرائم البشعة التي تعرض اليها الاطفال الابرياء من المدرسة الابتدائية في منطقة العارضية هي حادثة هزت المجتمع الكويتي بأسره، وكشفت مدى الإهمال والتسيب الذي تعاني منه الوزارة. واللافت للنظر ان هناك أطرافاً برلمانية لا تريد من الوزيرة الصبيح ان تبادر في تقديم استقالتها حتى لا تتهرب من مواجهة الاستجواب المقبل الذي يتضمن فضائح وتجاوزات عدة تعد الوزيرة مسؤولة عنها بشكل مباشر، وبالتالي هناك توافق في الرأي في شأن تأييد طرح الاستجواب في محاور عدة، ليكشف للناس تلك الحقائق والتجاوزات التي أدت الى تدهور العملية التربوية والتعليمية في الكويت، رغم ان حادثة الاعتداء على الطلبة تتحملها أيضا جهات أخرى كوزارة الداخلية والشؤون وأصحاب الشركات الهامشية الذين خالفوا سياسة وشروط جلب العمالة حتى أتى العشرات من العزاب والذين لا هم لهم سوى خلق المشاكل وانتهاك حرمات البيوت والأفراد، وتحويل البلاد الى حقل دعارة في كل منطقة.
ومن هنا فنحن لا نستطيع ان نخلي مسؤولية وزارتي الداخلية والشؤون في هذا الأمر كونهما مسؤولتين عن نوعيات هذه العمالة الوافدة وعن الجهات التي تستقدمها في الوقت الذي تتكرر هذه الظواهر السلبية بيننا بين حين وآخر. لذلك لا نستطيع ان نرمي ثقل المشكلة كلها على وزارة التربية وحدها، بينما نتغاضى عن جهات أخرى مسؤولة ايضا عنها، علينا ان نفكر بجد عن كيفية معالجة هذا الوضع مستقبلا حتى لا يكون أبناؤنا وأطفالنا ضحايا في المدارس. وعليه تتم مراجعة تلك القرارات الخاطئة التي اتخذت منذ أعوام وأدت الى وقوع هذه النوعية من الجرائم لأطفال في عمر الزهور.
لقد استقبل أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد (حفظه الله) وزيرة التربية نورية الصبيح قبل أيام قليلة وأشاد بدورها وبجهود القائمين على العملية التربوية بالبلاد، متمنيا لهم التوفيق في أعمالهم وحثهم على استخدام المناهج الحديثة للعمل على تطوير نظم التعليم في مختلف المراحل الدراسية، وذلك لرفع مستوى التحصيل العلمي والتربوي للطلاب، متمنيا للقيادات التربوية الجديدة الارتقاء بآلية البحث العلمي في المؤسسات العلمية المتنوعة، وذلك لبناء أجيال وطنية مسلحة بالعلم والمعرفة قادرة على ان تساهم في عملية التنمية وتطوير بناء الوطن، ونحن نتمنى من الوزيرة الصبيح ان تكون قادرة على تحمل هذه المسؤولية الكبيرة رغم الضغوط الكبيرة من النواب، فالوزيرة الصبيح تمتاز بالشجاعة والجرأة في اتخاذ القرار وتقدم الكثير من الحلول التربوية التي تساهم في نهوض وزارة التربية، ولكنها تحتاج الى دعم من السلطتين حتى تستطيع اكمال مسيرتها التربوية والتعليمية.
يبقى الوضع الحكومي متأزما طالما ان وزيرة التربية تواجه موجة من الغضب النيابي حولها، والذي يطالبها بالصعود إلى منصة الاستجواب لمواجهة تلك الادعاءات. ولكن السيدة الوزيرة على أتم الاستعداد لمواجهة هذا الاستجواب في المجلس، رافضة تماما تقديم استقالتها من الحكومة على خلفية حادثة الاعتداءات الفردية على اعتبار انه ليس لديها ما تخفيه كون الحادث يعتبر من الحوادث الفردية، ولا يمكن للمتربصين او المتصيدين ان يحولها الى ظاهرة عامة قد تحدث في جميع مدارس الكويت، مؤكدة ان الوزارة قد قامت بالاجراءات الاحترازية بالسرعة الممكنة، حتى تمنع تكرار مثل هذه الحوادث في مدارس وزارة التربية مستقبلا، فضلا عن الاجراءات النيابة العامة الصحيحة تجاه هذا الموضوع، فلذلك ان كانت الوزيرة الصبيح قد قامت بالاجراءات الصحيحة لاحتواء الموقف، فلماذا يصر النواب على تقديم اكثر من استجواب لاسقاطها سياسيا؟
على أي حال لدى وزيرة التربية الشجاعة الكافية للدفاع عن نفسها. وما يعزز موقفها أكثر الموقف الحكومي الموحد ضد الادعاءات النيابية الأخيرة وتضامنها معها، ولعل ما قام به وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد في اجتماع لجنة الداخلية والدفاع البرلمانية من الوقوف معها خير دليل على تعاضد الحكومة لموقفها الصلب، مؤكدا ان الحكومة ستقف بحزم مع وزيرة التربية متى ما قدم الاستجواب في المجلس...
إذاً نحن أمام امرأة حديدية صلبة تواجه استجوابا مفتعلا، والمؤيدون لسحب الثقة عنها في تزايد، وهو الأمر الذي قد يحثها مجبرة على تقديم استقالتها كالذي حصل للدكتورة معصومة المبارك، والظاهرة تتكرر! ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]