خيرالله خيرالله / أهمية ما تشهده موريتانيا

تصغير
تكبير
أدى الرئيس الموريتاني الجديد الجنرال محمد عبد العزيز اليمين الدستورية في ظروف طبيعية. قاطع حفلة تأدية اليمين المرشحون الفاشلون في الانتخابات الرئاسية. لم يؤثر ذلك في شيء على أهمية الحدث الذي يؤكد رفض موريتانيا لأن تكون الحلقة الضعيفة في منطقة شمال أفريقيا والشريط الصحراوي الطويل الممتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر.
حضر الحفلة التي أدى فيها الرئيس الموريتاني اليمين ممثلو المجتمع الدولي الذين باتوا يدركون أهمية أن يختار الشعب الموريتاني رجلاً مثل الجنرال عبد العزيز رئيساً. ثمة حاجة موريتانية إلى الاستقرار، هذا ما يدركه الشعب الموريتاني الذي انتخب الجنرال عبد العزيز رئيساً مؤكداً أنه يعرف ما الذي يريده. موريتانيا تبحث خصوصاً عن الابتعاد عن المزايدات في وقت تمر كل منطقة شمال أفريقيا ومعها المنطقة الصحراوية الممتدة من جنوب موريتانيا وصولاً إلى جنوب السودان بمرحلة أقل ما يمكن أن توصف به أنها دقيقة. ليس مطلوباً من موريتانيا أن تكون مجرد «ساحة» للتجاذبات الإقليمية، لذلك جاء الجنرال عبد العزيز ليؤكد أن بلاده تريد مصلحتها، أي أن الموريتانيين يرفعون شعار موريتانيا أوّلاً. ويبدو أن المجتمع الدولي بات يؤيد هذا التوجه ويدعمه بقوة واضعاً حداً للتهديدات بمقاطعة نواكشوط.
دفعت موريتانيا غالياً ثمن التجاذبات الإقليمية منذ الاستقلال في الستينات وتولي الرئيس مختار ولدادا السلطة قبل أن يطيحه انقلاب عسكري. خسر مختار ولدادا السلطة في بلاده بعد اتخاذه موقفاً عقلانياً من قضية الصحراء الغربية في العام 1975، كان ولدادا يسعى إلى الاستقرار وإلى إيجاد ظروف طبيعية تتطور موريتانيا في ظلها، لم يع ولدادا خطورة الخيار الذي اتخذه والذي تمثل في اقتسام الصحراء الغربية مع المغرب بعد الانسحاب الإسباني منها. على الصعيد العملي لم يستوعب أول رئيس لموريتانيا المستقلة أبعاد النزاع الصحراوي ومدى استعداد الجزائر للتورط في هذا النزاع من أجل شن حرب استنزاف على المغرب ومحاولة تطويقه من كل الجهات. كانت نتيجة ذلك، الانقلاب العسكري الأوّل الذي حمل موريتانيا على الخروج من نزاع الصحراء المغربي- الجزائري وإعادة الأراضي الصحراوية المغربية إلى المغرب...

ما يتهدد موريتانيا في هذه المرحلة خطر من نوع جديد اسمه الإرهاب، استطاعت «القاعدة» استغلال كل أنواع النزاعات والخلافات في منطقة شمال أفريقيا وجنوب الصحراء لتنتشر في طول الشريط الممتد من الجنوب الموريتاني والنيجر وحتى السنغال وصولاً إلى الجنوب السوداني مروراً بمالي وتشاد. لم يوفر الإرهاب منطقة معينة، سعت «القاعدة» بكل بساطة إلى ملء أي فراغ تصادفه في طريقها، كان التركيز الأساسي للإرهابيين في مرحلة معينة على المغرب. ما لبثوا أن انكفأوا بعدما تبين لهم أن هناك بلداناً حصنت نفسها منذ فترة لا بأس بها ضد كل ما هو إرهابي وإرهابيين، على رأس هذه البلدان يأتي المغرب وتونس وليبيا، أدركت البلدان الثلاثة باكراً جداً أن أي تهاون في التعاطي مع التطرف سيقود إلى كارثة محتمة وسيسمح بتفشي هذه الظاهرة في أوساط المجتمع كله.
في وقت أدركت فيه موريتانيا ما هو على المحك في المنطقة، بقيت نقطة الضعف في الحرب على الإرهاب في الجزائر وذلك على الرغم من الوعي العميق لبعض كبار المسؤولين فيها لأهمية التصدي لهذه الظاهرة حتى في مناطق واقعة خارج الحدود الجزائرية تابعة لدول أخرى، كمالي على سبيل المثال وليس الحصر. ما يعيق الحملة على الإرهاب في الجزائر، على الرغم من أن الأجهزة الأمنية في هذا البلد المهم مقتنعة تماماً بضرورة استئصاله، غياب القناعة لدى القيادة السياسية بأن لا مفر من تعاون إقليمي في هذا المجال. أنه وهم الدور الإقليمي الذي يحول دون انضمام الجزائر إلى الحرب على الإرهاب بفعالية، انه وهم اسمه القدرة على استغلال النزاعات الإقليمية لإضعاف الدول الأخرى في المنطقة، وهي قدرة غير موجودة حقيقة، ليس كافياً التعاون مع الأميركيين والاستعانة بخبراتهم في هذا المجال حتى تكون الحملة الجزائرية على الإرهاب ناجعة، مجرد رفض فتح الحدود مع المغرب والتعاون في حل نزاع الصحراء بطريقة تحفظ ماء الوجه لكل الأطراف المعنية دليل على غياب النية الجدية لدى الجزائر في التصدي للإرهاب ومكافحته. باختصار، يعتبر بقاء جرح الصحراء مفتوحاً والعلاقات المغربية- الجزائرية على حالها، أي شبه مجمدة، بمثابة فرصة لـ «القاعدة» تستغلها للتسلل إلى دول المنطقة.
تكمن أهمية ما حدث في موريتانيا، في العام الأخير، أي منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في أغسطس من العام الماضي ووضع حداً للحكم المدني في أن هناك من يفهم تماماً أن أي تهاون مع المتطرفين سيعود بالويلات على موريتانيا. لقد سلّم العسكر الحكم للمدنيين في مرحلة معينة، لكنهم اكتشفوا أن الرئيس المنتخب من النوع الذي لا يفهم أن الديموقراطية لا معنى لها وأنها ستكون مهددة عندما تكون السلطة مترددة ومتساهلة في تعاملها مع ظاهرة التطرف الديني. كان لابدّ من تصحيح الأوضاع... بعد عام على الانقلاب العسكري، عاد العسكر إلى السلطة عبر الانتخابات وليس عبر أي وسيلة أخرى. المطلوب حماية موريتانيا والمجتمع الموريتاني، الأولوية للحرب على الإرهاب. المجتمع الدولي الذي قاطع الانقلابيين في البداية غيّر رأيه بعدما اكتشف أن لا طريق آخر لمنع انزلاق موريتانيا في اتجاه الهاوية. الأمل الآن، في أن تتعظ الجزائر من التجربة الموريتانية وأن تنضم بالأفعال إلى الحرب على الإرهاب وأن تقتنع بأن هذه الحرب لا يمكن الانتصار فيها من دون التعاون الإقليمي، لا حاجة إلى المكابرة... هناك تجدد لنشاط «القاعدة» في غير منطقة حتى داخل موريتانيا نفسها، لكن المكان الأشد خطورة هو الجزائر حيث ارتفعت وتيرة العمليات الإرهابية في الأشهر القليلة الماضية، إلى متى الرفض الجزائري للتعاون الإقليمي، إلى متى رفض المشاركة في الحرب على الإرهاب التي عانت الجزائر منها قبل غيرها؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي