خيرالله خيرالله / ضرب فوضى السلاح في أهمية مؤتمر «فتح»

تصغير
تكبير
يمكن وضع القضاء على فوضى السلاح في الضفة الغربية في المستوى ذاته من الأهمية لانعقاد المؤتمر السادس لحركة «فتح» في الأراضي الفلسطينية وليس في أي مكان آخر كما كان يريد المشعوذون. وكان الخطاب الذي ألقاه السيد محمود عبّاس (أبو مازن) في افتتاح المؤتمر نقطة تحول على الصعيد الفلسطيني بسبب تناوله مسألة فوضى السلاح بشكل مباشر. سعى أبو مازن للمرة الأولى في تاريخ الحركة وفي تاريخ القضية الفلسطينية إلى التركيز على ما كان القياديون الفلسطينيون يصرون في الماضي على تجاهله وهو قضية الأمن في الأراضي الفلسطينية، وفي الضفة الغربية تحديداً. كانت رسالة رئيس السلطة الوطنية وزعيم «فتح» في غاية الوضوح، وتتلخص في أن المحافظة على أمن المواطن الفلسطيني هدف بحد ذاته. أكثر من ذلك، أن تحقيق الأمن بمثابة حجر الزاوية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة «القابلة للحياة» يوماً ما. الأمل في أن يحصل ذلك في المستقبل القريب ما دامت إدارة أوباما متمسكة بحل الدولتين ومصرة عليه.
يعتبر ما تحقق في الضفة الغربية خلال الفترة القصيرة الماضية إنجازاً ضخماً. كل من لعب دوراً في تحقيق هذا الإنجاز إنما يلعب دوراً في الوصول إلى هدف يخدم الاستقرار الإقليمي ومنظومة الأمن العربي عموماً. وهذا يعني في طبيعة الحال محاربة التوطين بالأفعال وليس بمجرد الكلام كما يفعل كثيرون في لبنان وغير لبنان مثل النائب ميشال عون. يتحدث هؤلاء في أمور لا يمكن لعقولهم البسيطة أن تستوعبها، يتحدثون عن التوطين من دون أن تكون لديهم أي معرفة لا من قريب ولا من بعيد بقضايا معقدة من هذا النوع ذات أبعاد إقليمية.
لم يأت الأمن الذي تنعم به الضفة الغربية من فراغ. هناك قبل كل شيء الجهد الذي بذلته السلطة الوطنية منذ فترة لا بأس بها من أجل التخلص من فوضى السلاح. كانت الحرب على فوضى السلاح نقطة تحول في الذهنية الفلسطينية، خصوصاً أن تكريس فوضى السلاح كان جزءاً لا يتجزأ من الحملة التي تشنها «حماس» بالتواطؤ الضمني مع الاحتلال الإسرائيلي من أجل القضاء على السلطة الوطنية وتأكيد أن لا شريك فلسطينياً يمكن التفاوض معه من أجل التوصل إلى تسوية.

كان نشر فوضى السلاح في القطاع، عن سابق تصور وتصميم، من بين الوسائل التي استخدمتها «حماس» للتمهيد لانقلاب غزة الذي يتبين اليوم أنه لا يستهدف سوى خدمة الاحتلال الإسرائيلي بدليل قيام كيان مستقل هو «إمارة إسلامية» في القطاع. والمؤسف أنه يتبين كلما مر يوم أن هذا الكيان يتمتع بحماية إسرائيلية. هل من دليل على ذلك أفضل من ذلك الذي وفرته الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على القطاع؟ وصل الإسرائيليون إلى المكان الذي كانت تختبئ فيه القيادة «الحماسية» وما لبثوا أن انسحبوا كي لا تتعرض القيادة لمكروه. المطلوب، بكل بساطة، أن تبقى «حماس» مسيطرة على غزة، وأن تكون السلطة الوطنية بعيدة عن القطاع لا أكثر ولا أقلّ.
بغض النظر عن أهمية انعقاد مؤتمر «فتح» في الأراضي الفلسطينية وذلك للمرة الأولى منذ نشوء الحركة، لا يمكن تجاهل أن ذلك ما كان ممكناً لولا الأمن الذي توافر في الضفة الغربية. هذا الأمن يخدم المشروع الوطني الفلسطيني ويمثل خطوة حاسمة على طريق قيام الدولة المستقلة. وما لا يمكن تجاهله أيضاً أن كل من لعب دوراً في تثبيت الأمن في الضفة إنما أدى دوراً مهماً في مجال الوقوف في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومنعه من تحقيق أغراضه. وهذا يعني في طبيعة الحال وضع النقاط على الحروف، وتسمية الطرف الذي لعب دوراً حاسماً في دعم السلطة الوطنية بغية تمكينها من الوقوف في وجه مخططات الاحتلال. هذا الطرف هو الأردن الذي بذل جهوداً جبارة في مجال تدريب القوات الفلسطينية على حفظ الأمن. في النهاية لدى الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني مصلحة حيوية في دعم المشروع الوطني الفلسطيني... أي الدولة الفلسطينية المستقلة. ان الأردن بقيادة الهاشميين وضع اللبنة الأولى لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة عندما اتخذ الملك حسين، رحمه الله، قراره التاريخي بفك الارتباط مع الضفة الغربية قبل واحد وعشرين عاماً. رسم الأردن حدود الدولة الفلسطينية وهو يتابع اليوم، عن طريق ما يقوم به عبدالله الثاني، واجبه القومي المتمثل في قطع الطريق على الاحتلال ومشاريعه ومخططاته التي تصب في خدمتها الإشاعات والشعارات الفارغة التي يطلقها بعض المغرضين الذين لا يعرفون شيئاً لا عن الأردن، ولا عن السياسة الثابتة للمملكة في مجال التصدي لمشروع الوطن البديل.
في النهاية، لم يكن في الإمكان عقد مؤتمر «فتح» لولا النجاح الكبير الذي تحقق على مستوى القضاء على فوضى السلاح. بات الشرطي الفلسطيني في الضفة الغربية يدرك أن المحافظة على الأمن وتأمين حياة طبيعية للمواطن هما الطريق الأقصر إلى الدولة الفلسطينية. من يستثمر في المشروع الوطني الفلسطيني إنما يعمل من أجل القضاء على ما يسمى مشروع التوطين. المهم في نهاية المطاف أن يكون لدى الفلسطينيين دولة مستقلة «قابلة للحياة» توفر لكل فلسطيني، أينما وجد في هذا العالم، جواز سفر محترماً ومكاناً اسمه «وطن» يستطيع العودة إليه متى يشاء.
كانت فوضى السلاح العبارة التي ترافق حلول المقاومة الفلسطينية في أي أرض عربية أكان ذلك في الأردن أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، أو لبنان حتى يومنا هذا. لا يزال هناك من يستخدم السلاح الفلسطيني في لبنان في عملية زعزعة الاستقرار في الوطن الصغير. هذا ما يفعله النظام السوري عبر القواعد الفلسطينية التي يقيمها داخل الأرض اللبنانية. أخيراً جاء زعيم فلسطيني اسمه محمود عبّاس يرفض الكلام الفارغ. جاء يقول: الأمن أولاً في حال المطلوب مواجهة إسرائيل بدل لعب لعبتها. وجاء من يدعم المشروع الوطني الفلسطيني بدل السعي إلى ضربه خدمة لإسرائيل. هذا ما فعله وما يزال يفعله الأردن رافضاً المتاجرة بالفلسطينيين وبقضيتهم، كما يفعل غيره بوقاحة ليس بعدها وقاحة مغطياً نفسه بشعارات وطنية لا علاقة لها سوى بالمشاريع الإسرائيلية!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي