علي سويدان / حرب باردة... ودم أبرد!

تصغير
تكبير
مما لا أنساه أبداً وفي أواخرالثمانينيات توجهت مرة إلى «سوق الحلاقين» وهو معروف في السوق القديمة لمدينة الأحمدي جنوب دولة الكويت، وهدفي طبعاً صالون فلسطين للحلاقة والحلاق رجل فلسطيني كهل، ولكني تفاجأت بأن محلات السوق مغلقة تماماً وبعد شيء من التساؤل مع نفسي اكتشفت أن اليوم هو يوم الإثنين وهو عطلة الحلاقين، ولكني لمحتُ في طرف السوق أحد الصالونات ليس مغلقاً! وكان لحلاق باكستاني فدخلت عنده وجلست على كرسي الحلاقة، وأثناء ذلك كان التلفاز يعرض صوراً لمجازر إسرائيل المتكررة في فلسطين، ولأنني لا أحب الكلام في السياسة فضَّلتُ الكلام مع قلبي، لكن معظم الحلاقين يجيدون الثرثرة أكثر من إتقان مهنتهم! المهم وجَّه الحلاق الكلام إليَّ وقال: «أنا مستغرب، منذ متى وفلسطين محتلة، ألم يحن الوقت لتحريرها، لماذا لا يقوم العرب بتأجير الأراضي المحيطة بفلسطين للأفغانيين وسوف يحررونها لهم في أسرع وقت!». فقلتُ له: «وهل ستفعلون أنتم ذلك، أيْ الباكستانيين، في قضية كشمير؟». طبعاً كان هذا الكلام في أواخر الثمانينيات حين اضطر الاتحاد السوفياتي للانسحاب من أفغانستان بعدما لمس شراسة القتال الذي صفق له عدد من العرب آنذاك، بل شاركوا فيه وبدعم أميركي، وقد غُرر بكثير من الشباب العربي باسم الجهاد في سبيل الله هناك بعيداً عن القضية المركزية في فلسطين!
نحن نتحدث عن حرب باردة في القرن الماضي كانت بين قطبين كبيرين (الاتحاد السوفياتي وأميركا) صحيح أنها حرب باردة لكن هذه الحرب كانت باردة عليهم هناك في روسيا وأميركا؛ لأن جهنم المعركة كانت عندنا في الشرق وفوق رؤوسنا، كنا نحن العرب كعادتنا منقسمين إلى معسكرين: معسكر يتبع أميركا وآخر يتبع الاتحاد السوفياتي، وكنا ومازلنا نجيد الإضرار بمصالحنا، نترك رأس الأخطبوط مبتسماً في القدس ونلهث لنحارب أياديه المنتشرة هنا وهناك! ونُصِرُّ على استخدام قوتنا في غير مواضع الحاجة إليها، فتارة يركض من شبابنا وراء القتال إلى جانب الأفغان حتى صار في كثير من بلاد العرب قضايا ومشكلة اسمها (العرب الأفغان)، وتارة نشعر بالقوة والعنفوان فنحلم بالوحدة في ظل القومية العربية فتُحاربُ مصرُ اليمنَ عام 1962م وتستمر الحرب خمسة أعوام من دون أيِّ سبب مقنع، وبحرب مفتعلة ليخرج الجيش المصري منهكاً من قتاله لإخوانه اليمنيين وجاهزاً للهزيمة في عام 1967م! وحين شعر العراق بالشجاعة وتمتع جيشه بالقوة وبدلاً من أن يفكر في مدِّ يد العون لأهلنا في الأراضي المحتلة بدأ الحرب مع إيران لثمانية أعوام أكلت الأخضر واليابس، وحين شعر بأنه سيف العرب وحامي البوابة الشرقية للأمة العربية عاد ليغدر بأهله وجيرانه!
أليس عجيباً أننا حين نشعر بالقوة نفتك ببعضنا، ونتناسى حتى مصالحنا الخاصة ونخرق السفينة أو نحرق الجمل بما حمل! المشكلة أنْ لا قراءة واضحةً لسلوكنا السياسي لا تجاه بعضنا ولا حتى تجاه خصومنا. وللأسف لا مكان لنا على خارطة القوة!

إن القوة التي ربما نحلم بها هي قوة إرادة ترعاها مشاعر الصدق تجاه بعضنا، مع عودة حقيقية للوفاء ومعاني الخير والولاء للأرض التي فتحها العرب وبنوا فيها أروع حضارة، لنأخذ من الأولين أفضل ما تركوا ولنبتعد عن موروثاتِ التسلُّط ومصادرة الرأي ليذكرنا أبناؤنا بعد ذلك بخير، ولتكن قوتنا على خصومنا بسياسة الحريص على مصلحته؛ فلا نحن في حاجة إلى التسرع وثورة الدماء، ولا نريد التعامل مع الأحداث بدم بارد!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي