علي سويدان / الجهاز مغلق!

تصغير
تكبير
لثقافة أي مجتمع عناصر مختلفة تدخل في مكوناته وتؤثر فيه بشكل عميق، ومن أهم هذه العناصر اللغة، والعادات، والتقاليد، والدين، والعرف وكلما اكتسب أفراد المجتمع عمقاً في التفكير، وتقدماً في أسلوب الحياة، وانفتاحاً في الحوار على الآخر كان ذلك المجتمع أقرب إلى المدنيَّة في أي حقبة زمنية يمر بها الناس على هذه الأرض، ويحكم ذلك كله توازن لابد من توافره بين عناصر الثقافة من لغة ودين ومؤثرات ترتبط بالحياة الاجتماعية للأسرة أو القبيلة... وهذه العناصر تؤثر بشكل مباشر في تشكيل عقل الفرد، وتوجُّه سلوكه، وتمس مشاعره، وتثير حميَّته، فإذا اختل التوازن بين عناصر الثقافة اختل معها الفرد، وكلما ظهر التوازن بين هذه العناصر ظهر التوازن واضحاً في تفكير الفرد، واستقام سلوكه اليومي.
لا يختلف أحد مع أحد أن عناصر الثقافة، كما تقدم، والتي يقوم عليها المجتمع لا يقبل عقلاً أن تطغى إحداها على بقية العناصر، وإن حصل ذلك فالنتيجة واضحة في اختلالٍ سيؤثر في توازن ذلك المجتمع... ماذا لو أقام قوم مجتمعهم ودولتهم على عنصر واحد من عناصر الثقافة، أعني ماذا لو دخل عنصر اللغة، مثلاً، على حساب العرف والعادات، أو كان الأمر بالعكس، ماذا لو أخذ قوم ما بعنصر العادات وأهملوا عنصر الدين، أو أخذوا بالدين وتركوا عاداتهم وتقاليدهم وخالفوا عرف الناس، كما حصل مع كثير ممن وقعوا في مستنقع التطرف الديني؟
إن بناء المجتمع وتحديد سياسة أي دولة ووضع دستور لها لابد أن يلحظ أولاً أن البشر في الأرض يحملون جملة من الأفكار المتباينة، ويخفون في صدورهم مشاعر وأحاسيس تلامسها عناصرُ الثقافة في المجتمع وتشكل فيهم القناعات المختلفة، فلا يمكن لنا حين نؤسس لمجتمع ونبني دولة ما أن نقوم بذلك على أساس عِرقي أو عُرفي أو ديني، لأن كل ذلك من أعراق، وأعراف، وديانات إنما كانت في الأرض منذ فجر التاريخ بمحض الحرية بين يدي الإنسان، وقد أكدت الكتب السماوية كلها على مبدأ حرية الاعتقاد، وحرية التصرف دون المساس بحريات الآخرين، وانظروا معي كيف أن كل مجتمع وكل دولة أنشئت على أساس اختلت فيه عناصر الثقافة، أو طغت إحدى تلك العناصرعلى الأخرى كان الزوال مصير ذلك المجتمع وتلك الدول.

إذا أساس بناء المجتمعات والدول لابد أن يقوم على جملة من عناصر الفطرة التي هي من ثقافة المجتمع دون إرغام الناس على لغة ما، أو دين ما، أو عادات ما، أو أعراف بعينها!
ويقوم القانون في المجتمع، وهو أداة الدستور، بتطبيق العدل، وتنظيم شؤون الحياة المختلفة. ويكون هذا القانون على لون محايد لا يمجِّد عِرقاً بذاته، ولا يروِّج لعرف بعينه، ولا يصبغ الدولة بصبغة دينية لتكون عملة البناء في المجتمع سليمة من حظوظ النفس، بعيداً عن الحقوق الشخصية، وأقرب للموضوعية في التفكير والتطبيق.
إسرائيل اليوم، يرفض «الكنيست» فيها حتى الآن أن يصوِّت على مشروع لمبدأ أنَّ «اسرائيل دولة دينية» لأنهم يعلمون أن ذلك إن حصل سيجعل منهم دولة يطغى فيها الدين، كعنصر من عناصر الثقافة، على بقية عناصر الثقافة ومن ثَمَّ سيحول دولتهم من دولة عصرية، كما في نظرهم، إلى دولة دينية، وحين يصوِّتُ «الكنيست» يوماً ما لصالح ذلك وقتها فقط سيبدأ العد التنازلي لدولتهم.
إن مبدأ الحكم في الدول العصرية المتمدنة عبر التاريخ إنما يقوم على العدل والحرية والمساواة بين الناس وليس بين أصحاب دين بعينه. أما نحن العرب في شرقنا الجميل فكل ما تقدم من كلام لا يعنينا لأننا «خارج منطقة التغطية»!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي