علي محمد الفيروز / إطلالة / البرنامج النووي الإيراني لن يتوقف!

تصغير
تكبير

بعد ان أعطت أجهزة الاستخبارات الاميركية معلومات خاطئة عن العراق في امتلاكه اسلحة دمار شامل عام 2002 وتسبب ذلك في دخول الإدارة الأميركية في حرب مدمرة مع العراق تخللتها الخسائر في أرواح الجنود والممتلكات العسكرية الثقيلة إلى ان اصبح هناك عجز في الموازنة، اذ قد تصل إلى 1600 مليار دولار فقط كلفة الحرب في العراق وأفغانستان حتى نهاية العام المقبل.

أصبحت اجهزة الاستخبارات الأميركية الآن أكثر دقة في اتخاذ أي خطوة تخطوها، لذا خضع تقرير الاستخبارات الأميركية الأخير عن إيران لعملية اكثر مصداقية ودقة في خبر إعلانهم الرسمي الذي يفيد ان إيران أوقفت برنامجها العسكري السري لإنتاج اسلحة نووية منذ العام 2003، مضيفين أنها الآن أقل عزماً على امتلاكها القنبلة الذرية في الوقت الراهن، فقد كان ذلك الإعلان الاستخباراتي مستبعداً لقاعدة «الافتراضات» وعدم تكرار الأخطاء التي حدثت عام 2002 منها فالتقرير الاستخباراتي عن الوضع الراهن لإيران أربك الساحة الدولية الأميركية والدول العظمى وأزعج سياسة الإدارة الأميركية، في حين اعتبرت الوكالة الذرية هذا التقرير بمثابة دليل يطابق صدق أعمالها التفتيشية بحيث انها أكدت مراراً عدم وجود أدلة على برنامج ايران النووي العسكري ويناصر تقييم الوكالة من ان إيران لا تشكل تهديداً في المنطقة!

لقد تضاربت ردود الأفعال الدولية حيال التقرير الاستخباراتي الأميركي ما بين مؤيد ومعارض، وهو الأمر الذي جعل الإدارة الأميركية الا يكون خيار أمامها سوى الابقاء على الخيار العسكري وقرع طبول الحرب على ايران من جديد! فالبيت الأبيض أمام نارين: نار يتم فيها تلميع صورة الرئيس الأميركي جورج بوش تجاه سياسته المتشددة نحو إيران ونار اخرى بسبب الانقسام الراهن في صفوف الإدارة حتى لا تلوم نفسها على الرسالة الميتة، للعالم عن خيارها العسكري على إيران، رغم ان التقرير الاستخباراتي كان أكثر شفافية ودقة حينما أشار إلى ان طهران تحتفظ بخيار البرنامج النووي العسكري الذي يمكنها تحويل نشاطاتها عن الأغراض السلمية! الا انه قد يساهم هذا الانجاز في عرقلة الجهود الأميركية الحالية لفرض دفعة جديدة من العقوبات الدولية على طهران.

يواجه الرئيس الأميركي جورج بوش حملة ساخنة من المعارضة للحزب الديموقراطي، خصوصاً من مرشحيها للانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة عند اتخاذه قرار قرع طبول الحرب ضد إيران من جديد رغم انتشار التقرير الاستخباراتي لجمع الأطراف، الا ان حزب المعارضة حث الإدارة الأميركية الحالية على فتح محادثات مباشرة مع إيران مطالبين الرئيس بوش بتغيير سياسته تجاه ايران باعتبارها لا تشكل خطراً ولا تهديداً وشيكاً، ثم حث هؤلاء الديموقراطيين الرئيس بوش على اغتنامه فرصة مصداقية ودقة التقرير لبدء عمل ديبلوماسي جدي بدلاً من مواصلة الجهد من أجل منع الوقائع من عرقلة تطبيق ايديولوجيته! وقد توافق الجميع في الرأي على ان الخطاب الحاد الذي اطلقته ادارة بوش ضد إيران... يشبه الاتهامات التي اطلقها ضد العراق سابقاً قبل غزوه اليها، في حين اشادوا جميعاً بشجاعة المحللين الاستخباراتيين الذين رفضوا اعطاء الإدارة الحالية معلومات استخباراتية تدعم شن الحرب على ايران! وانتقدوا مشروع القرار الموجود في مجلس الشيوخ باعتباره يدعو إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية» من شأنه ان يمهد لاحتمال شن ضربة عسكرية لإيران في المستقبل.

لايزال الملف النووي الإيراني يشكل احد مشاغل الرئيس بوش الرئيسية على اعتبار ان إدارة الرئيس لم تغير لغته الحوارية ضد ايران بقولها ان ايران كانت خطرة، وهي الآن خطرة... وستظل خطرة اذا توافرت لديها القدرة على الانتاج النووي! فضلاً عن صواريخها البالستية متطورة الصنع، وقد سبق للإدارة الأميركية ان اكدت ان ايران ستتمكن من انتاج صاروخ طويل المدى قبل العام 2015 يستطيع من خلاله عبر القارات حتى بلوغ الولايات المتحدة وأنحاء أوروبا كلها وإسرائيل بمساعدة اصدقائها، لذلك على الأطراف المتضررة وضع نظام دفاعي مضاد للصواريخ الإيرانية عند الضرورة، ففي الحالتين تبقى إيران مصدر قلق لدى الولايات المتحدة ودول أوروبا كونها ترفض تعليق نشاطاتها النووية الحساسة، وسط استمرارية التأكيدات الأميركية التي تدل على ان ايران تشكل مصدر تهديد لمصالح الولايات المتحدة ولأوروبا والشرق الأوسط، وقد أكد ذلك وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في تصريحه الأخير من ان ايران لاتزال قادرة على استئناف برنامجها النووي بطريقة اخرى كونها مستمرة في تخصيب اليورانيوم الذي يعد من ضروريات تصنيع الاسلحة النووية، وهذا ما يثير زعزعة الاستقرار في العالمين العربي والغربي، ولكن في الوقت نفسه تؤكد الوكالة الذرية للطاقة الدولية على انها لن تستطيع التعبير عن خطورة ايران في المنطقة، طالما لم تعثر على ادلة ملموسة تدل على وجود برنامج سري للأسلحة النووية في ايران خلال الأعوام الماضية! التهاب الصراع النووي بين الولايات المتحدة وإيران وسط بروز التقرير الاستخباراتي الأخير يجعلنا نتساءل: هل كان الرئيس جورج بوش يعلم عن ايران حينما اوقفت برنامجها السري للأسلحة النووية ورغم ذلك حذر العالم من محرقة نووية عند امتلاك ايران القنبلة الذرية او عندما تحدث عن خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة حين ذاك، يبدو ان السؤال محير شيئاً ما؟

يرى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ان تقرير الاستخبارات الأميركية عن ايران يشكل إعلان انتصار للشعب الإيراني ويمثل ضربة قاضية في وجه القوى الكبرى بعدان اصبحت الأنشطة الإيرانية النووية تحت نظر العالم، رغم الاحتجاجات الإيرانية الرسمية على عمليات التجسس الأميركية قبل صدور التقرير، نعم نحن أمام تقرير استخباراتي يساند نشاطات ايران النووية ويشجعها على المضي قدماً ولا تتراجع قيد انملة عن حقها النووي، وطهران لن تنصاع إلى اي قرار دولي جديد وقد أكد الرئيس الإيراني نجاد ذلك من ان التقرير الاستخباراتي يفيد ان الشعب الإيراني يسير على الطريق الصحيح، ويثبت موقفه المنتصر الداعي إلى اغلاق سيرة الملف النووي الإيراني،  وان القوى الكبرى أصبحت مطالبة بتغيير سلوكها تجاه إيران، وقد صنف الرئيس نجاد مجلس الأمن الدولي بأنه رمز للظلم، إذ تتمتع بعض الدول الأعضاء بمزايا خاصة... يوجهون الاتهام ويلعبون دور ممثل الادعاء، حتى يصدروا الأحكام «كالقضاة» وكان ذلك من حرارة الغضب على فرض عقوبات جديدة في الطريق!

وفي السياق نفسه، أكدت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس استمرار الولايات المتحدة في الضغط على ايران بطرق اخرى من خلال تطبيق المزيد من العقوبات في الأمم المتحدة عن طريق اتحاد القوى العظمى الخمس التي تعالج خطورة الملف الإيراني في المنطقة عن طريق الضغط الاقتصادي والديبلوماسي،رغم صدور التقرير الاستخباراتي الذي يؤكد وقف ايران برنامجها العسكري النووي منذ العام 2003، ومايؤكد ذلك مشروع القرار الجديد الذي ينص على فرض عقوبات جديدة ضدايران سوف يعاد النظر فيه بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي،وذلك لمنع الشعب الإيراني من حيازة القدرات التكنولوجية لصنع القنبلة الذرية مستقبلاً، ولكن يبقى السؤال: هل الدول الكبرى قادرة فعلاً على طي ملف ايران النووي في مجلس الأمن الدولي نهائياً وسط طموحات ايران التكنولوجية العسكرية؟

في اعتقادي بعد صدور التقرير الاستخباراتي الأخير ضد ايران ليس أمام الولايات المتحدة سوى القبول بحق طهران في امتلاكها الطاقة النووية بشكل سلمي، وذلك لنزع فتيل الأزمة النووية المثيرة للجدل... «ولكل حادث حديث».


علي محمد الفيروز


كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي