بغض النظر عن اسباب استقالة كبير مفاوضي الجمهورية الايرانية الاسلامية في الملف النووي علي لاريجاني وتعيين الحكومة الايرانية السيد سعيد جليلي بدلاً منه فإن ايران ماضية في مشروعها النووي، وكذلك في شؤون مشاريعها الصناعية والعسكرية الى ان تثبت وجودها القوي في منطقة الشرق الأوسط والخليج. فالملف النووي الذي تفاوض به علي لاريجاني سوف يتواصل بعمق مع الغرب كون السيد جليلي أهلاً لذلك رغم قرب فرض العقوبات الدولية بشكل أكبر على ايران، ربما تكون العقوبات الدولية أشد قسوة هذه المرة بسبب اصرار القيادة الايرانية على المضي قدما في تطوير الملف النووي وتعيين الشخص المقرب أكثر للرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد هذا وقد لاحظنا في الاونة الأخيرة كيفية اصرار الرئيس الايراني نجاد بعدم تعليق أي نشاط يخص تخصيب اليورانيوم، حتى وان طالبت بذلك الاسرة الدولية! وبهذا التعنت فقد فَجّر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش قبل أيام تصريحاً غير طبيعي في مؤتمر صحافي في البيت الابيض غداة زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى ايران اذ قال: «على قادة العالم منع ايران من حيازة السلاح النووي اذا رغبوا في تفادي حرب عالمية ثالثة»! فالموقف الأميركي خطير في ظل التعنت الايراني واصراره على التحدي، حتى وصل الأمر الى عزم ايران على تدمير القوة الاسرائيلية. وهذا ما اثار حفيظة الادارة الأميركية، وقد لاحظنا ذلك عن طريق رد الرئيس بوش لقادة العالم بشدة هذه المرة حيث قال: «اذا رغبتم في تفادي حرب عالمية ثالثة يبدو انه عليكم محاولة منع ايران من الحصول على المعرفة الضرورية لصنع سلاح نووي».
بالتأكيد ان التصريحات الأميركية في شأن قيام حرب عالمية ثالثة حركت المياه الراكدة لدى بعض القادة الأوروبيين هذه المرة وجعلت القيادة الايرانية ترفض هذه التصريحات رفضاً قاطعاً على اعتبار ان الوقت حان لكي يتحرك القادة الأوروبيون باستقلالية تامة، لأن التحرك المستقل يخدم المصالح المشتركة وينقذ شعوبهم من كوارث محتملة، وهي أيضاً رسالة ايرانية الى الحكومة الفرنسية بأن يكون لها دور مؤثر في اقرار السلام والأمن في العالم، والسؤال هنا: هل تكون تصريحات الرئيس بوش الاستفزازية ضد ايران من خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة حقيقية، ام انها مجرد حلقة من مسلسل الحرب النفسية على ايران؟
إن ايران في المقابل تحذر من ان بلادها سوف لن تقف مكتوفة الايدي في حال شن الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً أو جوياً، بل مستعدة لاطلاق 11 الف صاروخ في الدقيقة الأولى، وستكون على قواعد المهاجمين بسرعة غير طبيعية تحت نظر الحرس الثوري الايراني.
وأفاد مصدر عسكري ايراني من ان الحرب اذا اندلعت في المستقبل فإنها لن تدوم طويلاً لأن القوات الايرانية مع مدرعاتها الحربية ستكون على استعداد للتضحيات، ناهيك عن وجود صواريخ ذات تكنولوجيا متطورة مثل صاروخ «شهاب- 3» الطويل المدى، وصواريخ أخرى يبلغ مداها 250 كيلو متراً ومن المحتمل ان تطال اسرائيل وقواعد أميركية أخرى في الشرق الأوسط.
وهذا يعني ان الأهداف الايرانية للرد مستعدة ومحددة سلفاً، وهذه كلها مؤشرات تدل على ان التحدي بين الطرفين ما زال قائماً، وفي هذا السياق رفض الرئيس الايراني السابق علي رفسنجاني استجابة بلاده للمطالبات الدولية في تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم مجدداً، اذ شدد على استعداد بلاده بإعطاء ضمانات ايرانية بعدم حصولها على اي انحرافات نووية.
ولكن الواقع يقول عكس ذلك، فالخيار العسكري للولايات المتحدة ضد ايران اصبح جاهزاً للتنفيذ، والدليل تصريحات نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لايران التي ألقاها أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى بولاية فرجينيا، اذ قال بلغة حادة «ان الولايات المتحدة لن تسمح لايران بامتلاكها السلاح النووي! وعليها ان تعلم انه اذا استمرت في سياستها الحالية فإن الاسرة الدولية ايضاً مستعدة لتكبيدها عواقب وخيمة».
تسعى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى الحصول على معلومات ايرانية تخص مفاعلها النووية بشكل أكثر حتى تساعدها على انهاء تقريرها المطلوب، لذلك تم التركيز على المحادثات بمستوى الخبراء لتتناول فيه مسألة اجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، والحصول على تفاصيل أخرى عن حصول ايران على مكونات اجهزة الطرد المركزي من طراز «B1»، والتي يعمل نحو ثلاثة آلاف منها في مصنع تخصيب اليورانيوم الواقعة في ناتانز، والاطلاع على الابحاث الخاصة في مكونات اجهزة الطرد المركزي طراز «B2»، وهو الأكثر تطوراً حالياً!
أما من جانب آخر، فيرى العديد من الخبراء السياسيين والعسكريين ان على الولايات المتحدة الكف عن التلويح بالتهديدات العسكرية، والبدء بالتفاوض اذا كانت تريد تفادي «سيناريو الحرب العالمية الثالثة» التي أشار اليها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشيني في حال حصول ايران على السلاح النووي، ولكن المشكلة تقع على طموحات ايران النووية التي حطمت مشاعر الولايات المتحدة وحلفائها مع اسرائيل، وذلك لعدم قدرتهم على اقناع القيادة الايرانية بالتوقف عن برنامجها النووي لاحتواء الأزمة.
لذا اعتبر الخبير جون كلابريس الذي يعمل في معهد الشرق الأوسط في واشنطن «ان تصريحات الرئيس الأميركي ليست سوى اثارة نوع من التكهنات والمخاوف، وان الرئيس اختار كلمات سيئة في وقت عصيب»، ورأى «ان جوهر المشكلة الآن هو كيفية العمل على اعادة الايرانيين الى طاولة المفاوضات في الوقت الذي لا تساعد فيه على ذلك الحملة الانتخابية المقبلة على ابداء أقصى قدر من التشدد حيال ايران، في حين نرى ان البيت الابيض يحاول التقليل من شأن تصريحات بوش على اعتبار انها لم تكن سوى ملاحظة خطابية»!
ولكن من منظور آخر، فالرئيس الأميركي يرى ان مشروع ايران النووي مسألة ملحة يجب حلها قبل انتهاء ولايته، أما السيدة هلاري كلينتون المؤهلة للفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة فلها موقف ديموقراطي مختلف عن السياسة التي تسلكها الادارة الأميركية تجاه ايران، اذ دعت هيلاري الى اتخاذ اجراءات تحفيزية لاقناع ايران بوقف برنامجها النووي والتخلي عن الإرهاب، واتهمت الرئيس بوش بالتفريط بـ «احترام وثقة حلفاء الولايات المتحدة عبر الدفع الى الحرب في العراق»، وتقول بعبارة واضحة: «ان ادارة بوش أخطأت برفضها التحاور مع اعداء الولايات المتحدة، فاتهمت البيت الابيض على انه أضاع وقتاً ثميناً بتفادي اجراء مباحثات مباشرة مع ايران في شأن برنامجها النووي (المثير للجدل)»!
وهذا بالطبع يتماشى مع توصيات تقرير بيكر - هاملتون الذي ينص على ضرورة تطبيق التقارب بين الطرفين الأميركي والايراني لحل مشكلات الشرق الأوسط من أجل تحقيق الحرية والسلام في المنطقة... ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]