خيرالله خيرالله / إلى أي مدى إدارة أوباما جدية؟

تصغير
تكبير
بغض النظر عن الطرف الذي كان وراء قرار إلغاء الاجتماع أو تأجيله، يمكن القول إن عدم عقد لقاء بين المبعوث الرئاسي الأميركي السيناتور السابق جورج ميتشيل ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو خطوة في الاتجاه الصحيح. كان مقرراً عقد اللقاء في باريس، لكن يبدو أن غياب اللغة المشتركة بين الجانبين في شأن كل ما له علاقة بالمستوطنات والاستيطان حال دون عقد اللقاء. لذلك، يمكن القول إن ما حصل كان خطوة في الاتجاه الصحيح، في حال كان هناك من يرى فعلاً أن للجانب العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً مصلحة في تسوية معقولة ومقبولة مبنية على خيار الدولتين على أرض فلسطين.
للمرة الأولى منذ العام 1991 تثبت إدارة أميركية أنها جادة في العمل من أجل تحقيق تسوية في الشرق الأوسط. كانت المرة الأخيرة التي يظهر فيها رئيس أميركي حزماً في التعاطي مع الرهان الإسرائيلي على الوقت، من أجل التهرب من استحقاقات التسوية، في أثناء الاستعداد لحرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي - التحرير تحقق فعلاً في فبراير من العام 1991. استمر الحزم الأميركي مع إسرائيل عندما قررت إدارة جورج بوش الأب جيمس بايكر عقد مؤتمر مدريد. وقتذاك حصل تطور في غاية الأهمية تمثل في طريقة تعاطي الإدارة الأميركية مع إسرائيل بصفة كونها دولة من دول المنطقة تعتمد على النفوذ الأميركي والقوة العسكرية الأميركية وتنفذ ما تطلبه منها واشنطن من دون وضع شروط أو طرح تساؤلات أو أي أخذ ورد.
في تلك المرحلة، أي في أثناء التحضير للحرب ثم الإعداد لمؤتمر مدريد، شكت إسرائيل من افتقادها لشبكة صواريخ تحميها من الصواريخ العراقية من نوع «سكود». جاء عسكريون أميركيون إلى إسرائيل مع بطاريات صواريخ «باتريوت» للتصدي للصواريخ العراقية. للمرة الأولى منذ قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، كان هناك ضباط وجنود غير إسرائيليين يتولون مهمة الدفاع عن إسرائيل. كان ذلك بمثابة عمل رمزي لا أكثر ينطوي على أبعاد في غاية الأهمية. بكلام أوضح، أبلغت الإدارة الأميركية إسرائيل أن عليها البقاء خارج حرب تحرير الكويت وأن مسألة إخراج العراقيين من الكويت مهمة تحالف دولي ليس مسموحاً لإسرائيل أن تكون عضواً فيه. التزمت حكومة إسحق شامير، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك، التعليمات الأميركية بحذافيرها. ولما جاءت مرحلة الإعداد لمؤتمر مدريد، سعى شامير إلى التملص من أي التزام نظراً إلى أن همه كان محصوراً في التفاوض من أجل التفاوض فيما عملية بناء المستوطنات في الضفة الغربية مستمرة. عندئذ قررت إدارة بوش الأب التحرك وجمدت مبالغ كان الإسرائيليون ينوون استخدامها في بناء مستوطنات جديدة. ما حصل، باختصار شديد، أن شامير جُرّ جرّاً إلى مؤتمر مدريد الذي انعقد استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض في مقابل السلام.

كم يشبه ما نشهده اليوم من تطورات ما شهدناه في العام 1991... هناك إدارة أميركية تدرك أن التسوية غير ممكنة من دون وقف الاستيطان وأن لا مكان لدور إسرائيلي على الصعيد الإقليمي خارج المظلة الأميركية، وهناك حكومة إسرائيلية تصر على الاستيطان وعلى التفاوض في الوقت ذاته بهدف كسب الوقت والتصرف على الصعيد الإقليمي كأنها قوة عظمى. ألم يقل إسحق شامير أثناء مؤتمر مدريد أن إسرائيل ستدخل المفاوضات مادامت مضطرة إلى ذلك، وستجعلها تستمر عشر سنوات توجد خلالها وقائع جديدة على الأرض؟
ليس صدفة أن نتانياهو كان الناطق الرسمي باسم الوفد الإسرائيلي في مؤتمر مدريد. ربما تعلم من دروس الماضي، وربما لم يتعلم. السؤال هل تعلم من أن حكومة شامير سقطت بسبب الضغط الأميركي... أم أن كل ما بقي في ذهنه من تلك المرحلة أن إسرائيل راهنت على فشل عملية السلام، رغم انعقاد مؤتمر مدريد والتوصل إلى اتفاق أوسلو، وأن ذلك سمح لها بكسب الوقت ومتابعة عملية الاستيطان؟
انتقم المتطرفون في إسرائيل من بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بايكر عندما أسقطوا الأول في انتخابات الرئاسة في العام 1992. لم يتمكن بوش الأب من الحصول على ولاية ثانية بسبب اللوبي الإسرائيلي الذي عرف كيف يحاربه من أجل منعه من الإقدام على أي خطوة تصب في اتجاه عرقلة الاستيطان وتحقيق تسوية. السؤال الآن هل تذهب إدارة أوباما بعيداً في المواجهة مع حكومة نتانياهو؟ لا شك أن المؤشرات تبدو إيجابية، أقله إلى الآن، خصوصاً أن الرئيس الأميركي لم يكتفِ بما ورد في الخطاب الأخير لرئيس الوزراء الإسرائيلي والذي تضمن إشارة إلى خيار الدولتين. رحب أوباما بالخطاب، لكن قراره القاضي بإلغاء الاجتماع بين ميتشيل ونتانياهو في باريس، يشير إلى أنه يدرك أن لا تسوية من دون معالجة جذرية لقضية الاستيطان. الواضح أن هذا الرأي رأي وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ورأي ميتشيل نفسه أيضاً الذي سبق له أن أشار إلى خطورة استمرار عملية الاستيطان في التقرير الذي وضعه في العام 2001 عندما أرسلته إدارة بوش الابن إلى المنطقة لمعالجة ذيول انهيار المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ما يبعث على التفاؤل، ولو ضمن حدود معينة، بأن إدارة أوباما ستتابع الضغط على حكومة نتانياهو وأن إسرائيل تدرك قبل غيرها أن ليس في استطاعتها مواجهة ما تسميه «الخطر الإيراني» من دون المظلة الأميركية. بكلام أوضح، لا تمتلك إسرائيل القدرة على امتلاك سياسة خاصة بها بالنسبة إلى إيران. عليها بكل بساطة أن تأخذ في الاعتبار الأجندة الأميركية على الصعيد الإقليمي ككل. ليس في إمكانها اختيار ما يناسبها من الأجندة ورفض ما لا يناسبها. تبين إلى الآن أن أوباما يتصرف بفعالية أكبر بكثير من تلك التي تصرف بها سلفه بوش الابن مع النظام الإيراني. قال بوش الابن كلاماً كبيراً ولم يفعل شيئاً. تحدث أوباما بهدوء فتردد صدى كلامه في أنحاء إيران كلها حيث لاتزال تفاعلات زلزال الثورة المخملية في بداياتها!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي