يفترض في اللبنانيين إدراك أن ما فعلوه يوم السابع من يونيو الجاري كان عملاً عظيماً. يكفي أنهم سعوا، عبر الانتخابات، إلى حماية بلدهم من موجة التطرف التي تجتاح المنطقة، والتي كان الخطاب الذي ألقاه السيد علي خامنئي «المرشد الأعلى» في إيران أفضل تعبير عنها. كل ما فعله خامنئي أنه هدد باللجوء إلى القمع لانهاء أي احتجاجات على نتيجة الانتخابات الإيرانية. انحاز خامنئي بوضوح إلى محمود أحمدي نجاد مؤكداً أن لا مجال لإعادة النظر في النتيجة. انحاز عملياً إلى اللعبة القائمة على التطرف الذي لا يغذيه شيء أكثر من التطرف. هذا ما تدركه إسرائيل قبل غيرها في تعاطيها مع المعادلة الإقليمية. لذلك لعب فوز محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية الإيرانية دوراً في جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يلقي الخطاب الذي ألقاه. انه خطاب متطرف ينم عن رغبة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية نظراً إلى أنه لا يقدم أي حلول عملية تندرج في سياق تسهيل التوصل إلى تسوية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية تقوم على خيار الدولتين.
أراد نتانياهو من خطابه تحقيق هدفين لا ثالث لهما. يتمثل الهدف الأول في التصالح مع إدارة الرئيس باراك أوباما الذي دعا إلى قيام دولة فلسطينية. لفظ رئيس الوزراء الإسرائيلي عبارة «الدولة الفلسطينية». لكنه جعل نص الخطاب يتضمن في الوقت ذاته كل ما من شأنه إفراغ المفهوم المتعارف عليه للدولة، أي دولة، من أي مضمون حقيقي يصب في تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من الدخول في مفاوضات جدية مع الجانب الإسرائيلي. أما الهدف الآخر الذي سعى إليه «بيبي» فيتلخص في جعل الجهود الدولية تنصب قدر الإمكان في المستقبل على «الخطر الإيراني».
في المقابل، كل ما فعله أحمدي نجاد في الخطاب الذي ألقاه بعد «النصر الكبير» الذي حققه، والذي يمكن أن تكون له نتائج في غاية الخطورة على صعيد الوضع الداخلي في إيران، هو دعم نتانياهو في جهوده الهادفة إلى الهرب من تسوية معقولة ومقبولة مع الفلسطينيين. انها التسوية التي يطمح إليها الرئيس الأميركي الذي وجد نفسه مضطراً إلى مسايرة رئيس الوزراء الإسرائيلي وخطابه الملتبس، لعل ذلك سيدفع نتانياهو عاجلاً أم آجلاً إلى اتخاذ مواقف أكثر مرونة.
لابدّ لمثل هذه المواقف من أن تأخذ في الاعتبار أن ليس في استطاعة أي مسؤول عربي أو فلسطيني قبول الربط بين قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح من جهة والاعتراف بإسرائيل «دولة يهودية» من جهة أخرى. هذا الاعتراف يساوي القبول المسبق بأي أجراء إسرائيلي يستهدف طرد العرب من أراضي العام 1948. تستطيع إسرائيل تسمية نفسها ما تشاء. من حق كل دولة في العالم اختيار التسمية التي تناسبها، وإضافة كل الأوصاف التي ترتأي أنها تليق بها. ولكن في نهاية المطاف، لا يحق لأي دولة فرض شروط معينة على الذين يريدون الاعتراف بها، خصوصاً متى كان الغرض من هذه الشروط تغطية عملية ترحيل لجزء من السكان لأسباب ذات طبيعة عنصرية.
لابدّ من أن تكون هناك مساحة لمنطق الاعتدال في الشرق الأوسط. في غياب هذه المساحة ستبقى الكلمة الأولى والأخيرة للحلف القائم بين المتطرفين من عرب وغير عرب وإسرائيليين. بكلام أوضح، لابدّ من كسر حلقة التطرف ولعبة استفادة المتطرف الإيراني من المتطرف الإسرائيلي، أو العكس. كانت الانتخابات اللبنانية خطوة متواضعة على طريق كسر الحلقة. كان مفترضاً أن تكون الانتخابات الإيرانية التي فاز فيها محمود أحمدي نجاد بكل ما يمثله من عدوانية تجاه كل ما هو عربي في المنطقة استكمالاً للانقلاب المفترض تنفيذه في لبنان، والذي كان مصيره الفشل الذريع بفضل صمود اللبنانيين ومقاومتهم للتطرف. من لديه أدنى شك في ذلك يستطيع العودة إلى محضر اللقاء الذي انعقد في الرابية بين النائب ميشال عون والرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر خلال اليوم الانتخابي الطويل في لبنان. زار كارتر عون بصفة كونه على رأس وفد يراقب سير الانتخابات وسمع النائب اللبناني يتحدث عن اليوم التالي للانتخابات من منطلق أن نتائجها محسومة، وأن الفوز فيها سيكون من نصيب الثامن آذار. تحدث ميشال عون عن مشاريعه المستقبلية وعن الاجراءات التي سيتخذها حديث الواثق من نفسه. لم يدرك إلا في المساء أن الشعب اللبناني كان له بالمرصاد، وأن الأكثرية التي حلم بها بقيت حلماً... وأن الانقلاب الذي خطط له «حزب الله» ومن يقف وراءه في طهران ودمشق سيفشل.
في ضوء ما شهدته إيران من جهة وخطاب نتانياهو من جهة أخرى، يتبين أن لبنان استطاع حماية نفسه لا أكثر. رفض اللبنانيون السقوط في أسر التطرف، وأن يكون بلدهم مجرد قاعدة صواريخ إيرانية على المتوسط، و«ساحة» يستخدمها المحور الإيراني- السوري في لعبة الخدمات المتبادلة مع التطرف الإسرائيلي ممثلاً بحكومة بنيامين نتانياهو. أظهر اللبنانيون هذه المرة وعياً كبيراً. رفضوا الأدوات، وأدوات الأدوات التي تريد جرهم إلى حيث لا يريدون تحت شعارات الإصلاح والتغيير التي يرفعها رموز الفساد والانحطاط والتزلف والكلام الفارغ. كان الانتصار الذي حققه اللبنانيون كبيراً بل كبير جداً. المهم الآن ألا يناموا على حرير ما تحقق يوم السابع من يونيو 2009. المعركة مستمرة. لبنان ما يزال مستهدفاً. المهم أن يعي اللبنانيون ما هو على المحك، وأن يدركوا أن مصلحتهم الأولى والأخيرة تكمن في البقاء خارج حلف المتطرفين كي لا يكون وطنهم الصغير مرة أخرى ضحية المزايدة والمزايدين، والنفاق والمنافقين!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن