علي سويدان / «شاعر... بمغص»!

تصغير
تكبير
قبل أكثر من خمسة عشر عاما دخلت مبنى لإحدى المجلات لأعرض عليهم بضاعتي الكاسدة فجلست إلى المدير وعرفته باسمي ثم بينت له مهنتي بأنني «كاتب... وأيضاً شاعر»، فابتسم ابتسامة صفراء وقال متهكماً: «شاعر... شاعر بمغص»!
كثيراً ما نوجه أصابع الاتهام للآخرين! ولو وقفنا فقط أمام المرآة لما بقينا مستسلمين لسلسلة من الأحلام، فما أصعب أن يعيش الإنسان على وهم، ويظن أنه على صواب، ثم يصطدم بالواقع حين يقف على الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان؟
يبدو الأمر أكثر سوءاً عندما ترتبط قيمة الإنسان الذي نتعامل معه بما يمكننا أن نأخذه منه أو نستغله لأبعد الحدود! وحين نقيم الفرد نقيمه على هذا الأساس من دون أي معيار فني! وإن كان هناك معيار فهو للأسف معيار شكلي!

لست أدري ما هي الضوابط التي نلجأ إليها في حكمنا على الآخرين، خصوصاً في مجال اختيار المتخصصين في أماكن العمل المختلفة؟ لا أريد أن يكون كلامي أشبه بملاحظات على الورق، كما هي طريقة العمل في مؤسساتنا من المحيط إلى الخليج! ولكنني أريد أن أقف على أسباب اللجوء إلى ضوابط ركيكة في القياس بميادين العمل واختار الكوادر الملائمة لكل مهنة وحرفة؛ أكثر الأسباب وضوحاً، والذي يدفع بالإنسان إلى استغلال الآخرين أو الاستهانة بقدراتهم هو عدم وضوح الهدف عندنا نحن الأفراد؛ بعيداً عن إلقاء اللوم دائماً على الحكومات والبرامج العامة للدول، فالأفراد في بيئاتهم وأسرهم وأساليب تنشئتهم وطرق تربيتهم لهم الدور الأبرز في تحديد الهدف الذي يحمله كل منا تجاه المستقبل. كثيرون ينظرون إلى المؤسسات العامة أو إلى المؤسسة التي يعملون فيها أنها مؤسسة متكفلة بهم، وكأنها جهة خيرية، وكأن الموظف فيها فقير معدم!
هذا هو هدف الكثير من الموظفين. إنها مشكلة التمسكن وافتعال الحاجة والقيام بدور المحتاج أو العالق في مأزق! وليست الصورة محصورة في الأفراد عند ممارساتهم في المؤسسات التي يعملون فيها فحسب، بل يقوم كثير من أصحاب العمل بدور المتورط الذي يخسر يومياً ويعرض بحزن ذرائعه الكثيرة!
لذلك المشكلة ليست مشكلة مؤسسات عامة وليست مشكلة قطاع خاص أو مشكلة خطط التنمية في الدول، إنما المشكلة في عدم وضوح الهدف عند الأفراد، وأيضاً هي مشكلة أخلاقية في المقام الأول، لا أنكر على أي مجتمع أسلوب التكافل الذي يمكن أن يمارسه، ولكن لابد من الفصل بين السعي إلى أداء وظيفي متميز، ومن ثم انتاج أفضل، وبين الظروف التي ربما يمر بها الأفراد سواء الصحية أو المالية، ومن ناحية أخرى يجب الوقوف على معايير موضوعية في فلسفة التوظيف، ومعايير أخرى واضحة تخضع إلى الملاحظة والنتيجة في انتقاء أفضل الكوادر وفي طرق الترقية في المؤسسة أو الدائرة، بعيداً كل البعد عن استغلال الأفراد من دون أجرة تكافئ ما يقدمون من عمل!
إن المؤسسة الناجحة إنما يدل على نجاحها قدرة القائمين عليها في اختيار الموظف المنتج والمتميز، وهي الخطوة التي يعتمد عليها مشروع متكامل في ارتقاء القطاعات العمل وتحسين أداء الموظفين فيها، وأظن أن ذلك أفضل بكثير من «شاعر... بمغص»!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي