من أهم مقاصد الحوار مع الآخر، أن يفهم كل منهما صاحبه كما يريد لا كما أريد انا، او كما ينقل الآخرون.
واذا كان العالم يعج ويضج بمصطلح «صدام الحضارات» وبنقيضه «حوار الحضارات»، فإن المصطلح القرآني هو «لتعارفوا» اي انه يؤكد الحلقة المفقودة وهي تعارف الحضارات
والامم والشعوب... اذاً التعارف يحدد طبيعة العلاقة المفترضة بين الحوار والصدام، وصحيح ان الحوار احدى وسائل التعارف ولكنه ليس كلها.
مقصدي من هذه المقدمة هو الا تحكم على الآخر من مجرد سماع من طرف واحد، فإن السماعات ذاتها قد تتعدد وتتناقض حسب افهام المستمعين ودرجة وعيهم وتحيزاتهم... كل ما نطلبه من المخالفين ان يفهمونا «صح»... والبلاء كل البلاء ان يفهمك الآخر خطأ، إما بتأويل كلامك وإما بتحميله على المعنى، الاسوأ مع وجود معنى آخر له، او ببتره عن مقدماته وفكرته الكلية.... يا أخي ليس شرطا ان توافقني ولكن ارجوك لا تظلمني بترويج ما لم اقل او مالم اقصد، وهذا ما حصل مع خطيب مسجد الزير في العمرية، فلقد صليت عنده الجمعة الماضية، كما ذكرت في مقال السبت اول من امس - وذكر الخطيب قيمة العدل والانصاف وقال ان احد الحكام العرب او المسلمين ذهب إلى مؤتمر في السعودية ثم اشار اليه بعض مستشاريه ان يعتمر في الوقت المتاح، فلما ذهب الحاكم إلى الحرم وطاف حول البيت العتيق رآه احد مواطنيه في الطواف فنصحه مباشرة قائلا اتقِ الله في شعبك الفقير الذي لا يجد السكن ويعيش الفقر إلى آخر الاحوال السيئة... قال الخطيب بعد ذلك ان اخبار المواطن العربي اختفت بعد نصيحته لحاكمه في الطواف حول الكعبة، وانتهت القصة.
العجيب الغريب ان احد المصلين قدم شكوى للاوقاف ضد الخطيب الفاضل الرجل المحبوب الهادئ العاقل الرزين... لانه فهم من القصة ان الامن السعودي هو الذي اخفى وغيب المواطن العربي الذي نصح حاكمه مشافهة!!!
أرأيتم عبقرية الفهم!! أرأيتم كيف يستقبل العقل المعلومات!! سامحك الله أيها المصلي، هلّا استفهمت من الامام الذي لم يذكر تاريخ القصة هل هي من ايام جمال عبدالناصر ام ابورقيبة ام جعفر النميري ام حسني الزعيم، ان خطيب الجمعة لم يسم البلد ولا الاقليم ولا القارة، والقصة في غاية الاختصار وكان يتكلم عن الانتخابات والرشاوى واختيار الاصلح... واظن انه لا يليق بالاوقاف ان «تجرجر» أئمة المساجد لمجرد شكوى لاسيما ان الشريط موجود وانما تتأكد قبل بهدلة الائمة ثم ان القدر الذي تكلم فيه الخطيب والمثل الذي ضربه معقول ومنطقي لانه عام جدا وواقعي جدا...
فنحن ضد الغلو بكلا طرفيه لا افراط ولا تفريط، فلا نفاق على المنابر للحكام وايضا لا شتم ولا تشخيص للذوات في النقد وانما نذكر احكاما عامة وامثالا تصلح لكل زمان ومكان كما فعل الشيخ الخطيب حفظه الله، الا اذا كان معنى الحكمة عند البعض هو تحويل الخطبة إلى مادة باردة سلبية لا روح فيها. لم يقصد الخطيب الأمن السعودي وانما امن البلد
الذي ينتمي اليه الناصح الامين ونحن ايضا لا نعرف من هو الحاكم ولا البلد، وسأصلي بعد ارسال المقال عند الخطيب لانه امام المسجد الذي يصلي فيه الوالد ونفيدكم بالاخبار وردود الافعال.
محمد العوضي