علي سويدان / العرب خلافة... وتخلّف!

تصغير
تكبير
مسألة الوصول إلى الصف الأول بين دول العالم أمر يبدأ من الهمة والتطلع للمستقبل، لكننا نحن العرب أثبتنا على مرِّ الأيام أننا لسنا أهلاً سوى لـ «منسفٍ» من طعام نجمعُ عليه الأحبابَ ونفخرُ به أمام الأصحاب... فأيامنا القديمة قبل الإسلام، رغم ما فيها من عادات خيّرة من كرم وشهامة ونجدة، فقد غلبت عليها الفوضى وضياع الحقوق. ولم يلبث الإسلام أن وضع أقدام العرب على طريق الاستقامة في صدر الإسلام حتى اشتاقت عوامهم إلى الفوضى بنزعات النفوس المريضة، أما صفوة العرب ممن حَكموا الشرق بعد الخلفاء الراشدين، رغم ما قدموا للأمة من تدوين للعلوم وفتوحات وتراث زاخر إلا أنهم أتوا على الشورى والديموقراطية فقتلوهما في المهد وصاروا في ذلك قدوة للساسة بعد ذلك!
إن التقدم الحقيقي للدولة (أي دولة) ليس بما نلمس من مظاهرَ مدنيةٍ تلحظها العيون، وليس التقدم باتساع الرقعة الجغرافية للدولة، وليست الصناعة المتطورة والتأليف وأبنية الثقافة وروادها المبتسمون دليلاً على تقدم الدولة! بل تقدم الدول يقاس باحترام صادق للإنسان وحقوقه من دون تمييز! وكلما ازداد مؤشر المساواة بين الناس تعمقت جذور البقاء والمضي نحو التقدم المنشود! وللأسف مازلنا نحن العرب اليوم نجهل، أو نتجاهل الحقيقة، ونتقن اتهام الآخرين ونضع اللوم دائماً على أميركا... ونحسب أيضاً عدد أيام حكم أوباما الأولى وإنجازاته التي قدمها للعرب وقضاياهم... وكأن جَد أوباما كان صديقاً من أصدقاء امرؤ القيس أو الزير سالم!
إن ميلنا نحو الحرية والتقدم ميل عاطفي لم يرقَ حتى الآن إلى الميل العقلي الذي يترتب عليه إنجاز تحكمه الخطط والتقييم المنطقي! فما الذي يحكم سلوكَ العرب في وقتنا الحاضر؟

لا سياسة واضحة تهدف لمستقبل يضمن التوازن بيننا وبين دول المنطقة من غير العرب! ولا اقتصاد ثابت يعتمد على سوق منفتحة! ولا انحياز تام للآخر يكشف حقيقة المواقف! ولا حتى عودة للوراء إلى حياة تحكمها الفوضى والمصلحة البحتة! بل هو هجين ممقوت من المواقف الغريبة في الملمات وثقافة هزيلة بأهلها، ولغة مصطنعة نستخدمها لا تدل على صاحبها!
راقبْ إن شئتَ معي: المستثمرون يهربون إلى أماكن أكثر أماناً في العالم للاطمئنان على أموالهم! والعلماء والمبدعون يجدون بعيداً عن العرب الانطلاق والحرية فيختارون الهجرة عن بلادهم! والسياسيون يفكرون بطرق مبتكرة لإطالة فترة تنفذهم! أما المثقفون بنقاباتهم العتيقة فبدلاً من أن يكونوا قدوة للمجتمع صاروا يقدمون أمثلة مريضة في كبت الآراء و«اقتناص» النصوص من الغير! أما أهل التربية والتعليم فلا يجيدون إلا إجراء تغيير للكتاب المدرسي وهم من تغيير إلى آخر! وأبناؤنا ضحية هؤلاء جميعاً! إذاً أين نحن من التقدم وأهله؟
إنه ليس من الفخر أبداً أن أقول إنني عربي، ثم لا أملك من السلوك السوي إلا ذكريات في بطون الكتب! أو كلمات نكررها في محاضرات من دون أثر يذكر، فماذا حصل أبو لهب مثلاً من عروبته؟ هذا إن سلمنا أن نسب العرب نسب يمتاز عن غيره؛ فشرف العربية وإعجاز القرآن بلسانها وليس بنسب أهلها، فإلى متى سيبقى العرب في أوهامهم بين فخر بنسب نسجوه من حكاياتِ ما قبل النوم؟ أو بتمَسح بالدين، وهم للأسف من أبعد الناس في سلوكهم عنه! (مَنْ أبْطَأَ به عملُه لم يُسْرِعْ بهِ نَسَبُه).
علي سويدان
كاتب سوري
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي