خيرالله خيرالله / الاهتمام الأميركي المفاجئ بباكستان...

تصغير
تكبير
ما يمكن اعتباره أخطر من أن تسيطر «طالبان» - باكستان على منطقة بونر، القريبة من العاصمة إسلام أباد، طريقة انسحابها منها بشكل منظم. تبين أن مقاتلي «طالبان» جيش حقيقي في باكستان، وهم قادرون على تهديد العاصمة متى شاؤوا ذلك، وأنهم بالفعل دولة ضمن الدولة. تحدثت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قبل أيام قليلة عن باكستان. طرحت بشكل دراماتيكي أبعاد المشكلة التي هي في أساس ما شهدته أفغانستان من تطورات في السنوات الثلاثين الماضية، منذ العام 1980 تحديداً. قالت كلينتون أمام إحدى لجان الكونغرس كلاماً مخيفاً. اعتبرت أن الوضع في باكستان يشكل «تهديداً قاتلاً» للأمن الدولي. معطية بكلمتين فكرة عن مدى التدهور الذي طرأ على هذا الوضع وما يمكن أن يحمل في ثناياه من مخاطر على المنطقة كلها، خصوصاً الهند وأفغانستان.
كان من الأجدى للإدارة الأميركية، أي إدارة أميركية، أن تفكر باكراً في الوضع الباكستاني وذلك حتى قبل التوجه إلى أفغانستان وشن حرب هناك على نظام حركة «طالبان» في العام 2001. بكلام أوضح، يتبين، بعد سبع سنوات ونصف سنة على سقوط نظام «طالبان»، أنه لم تكن هناك فائدة تذكر من حرب من هذا النوع في غياب المعالجة الجذرية لمشكلة اسمها باكستان. ما حصل كله غرق في الوحول الأفغانية في ما كان التغيير في باكستان في اتجاه الأسوأ... في اتجاه مزيد من التطرف والتفتت للدولة ومؤسساتها.
هل هناك فائدة من معالجة الوضع الباكستاني بصفة كونه جزءاً لا يتجزأ من العقدة، أو الورطة الأفغانية، أم أن الإدارة الأميركية تأخرت كثيراً في ذلك وأن عليها التعايش مع ما هو أسوأ من نظام «طالبان» في أفغانستان، أي مع «طالبان» في أفغانستان وباكستان. ما نراه بأم العين أن «طالبان» تحقق كل يوم مكاسب على الأرض في باكستان. في الوقت ذاته، يتبين في كل لحظة كم أن الحكومة المركزية عاجزة عن مواجهة «طالبان» خصوصاً في مناطق لا تبعد كثيراً عن العاصمة إسلام أباد حيث اضطرت الحكومة إلى التراجع أمام «طالبان» وتلبية مطالبها كلها بما في ذلك التخلي لها عن مهمة المحافظة على الأمن وتطبيق الشريعة في منطقة معينة. صار ما يُسمي وادي سوات تحت سيطرة «طالبان»، وهذا يعني أن جزءاً من الأراضي الباكستانية خارج السيطرة الحكومية. يؤمن هذا الجزء، حيث الأمن بالتراضي، حديقة خلفية لـ«طالبان» في أفغانستان من جهة ومصنعاً يورد لها المقاتلين الذين تحتاجهم من جهة أخرى. في النهاية ان «طالبان» هي قبائل الباتشون ولا فارق بين هذه القبائل التي تشكل كل منها امتداداً للأخرى، أكانت في الأراضي الباكستانية أو الأراضي الأفغانية.

هناك اهتمام أميركي استثنائي بباكستان هذه الأيام. لم تكن هيلاري كلينتون المسؤول الوحيد الذي أشار إلى مدى تدهور الوضع فيها، بل دق وزير الدفاع روبرت غيتس ناقوس الخطر أيضاً. كذلك، قام رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية الأدميرال مايك موللن بزيارتين لإسلام أباد في أقل من أسبوع لعقد لقاءات مع كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين. ولكن ما العمل مع بلد لا تستطيع القوات المسلحة فيه الدخول في مواجهة جدية مع المتطرفين، فيما رئيس الدولة آصف زرداري منهمك في استرضائهم وتقديم التنازلات التي يطلبونها من أجل المحافظة على كرسيه. هذا الكرسي الذي يمكن أن يستولي عليه العسكر مجدداً أو منافسه نواز شريف الذي يعتبر أن زرداري لم يفِ بوعود قطعها له ولحزبه.
من الآن يمكن الحديث عن فشل مزدوج في باكستان. فشل على صعيد المحافظة على دولة أنشئت في الأصل لتكون ملاذاً لمسلمي شبه الجزيرة الهندية، فإذا بها تجنح إلى الفوضى بخطى ثابتة بمجرد غياب المؤسس محمد علي جناح الذي كان رجلاً معتدلاً يدرك أهمية العلم والانفتاح على العالم ومعنى العصرنة وكيف تطبيق الإسلام كدين عصري متسامح. جاء موت جناح بعد عام واحد من إعلان الاستقلال. لم تعرف باكستان منذ رحيله استقراراً حقيقياً، لكن نقطة التحول كانت في العام 1977 عندما وصل الجنرال ضياء الحق إلى السلطة وأشرف بنفسه على عملية نشر التطرف الديني بتمويل خارجي، فكانت ما يُسمى «المدارس» التي تخرجت منها عناصر «طالبان» لاحقاً، تلك العناصر التي استخدمت في البداية في التصدي للغزو السوفياتي لأفغانستان ابتداء من مطلع الثمانينات من القرن الماضي.
أما الفشل الآخر في باكستان فهو فشل أميركي. تدفع الولايات المتحدة حالياً ثمن تشجيعها «المدارس» الدينية التي نشأت في باكستان بهدف التصدي لما كان يُسمى الخطر الشيوعي في أفغانستان، ثم في فرض نوع من الاستقرار في هذا البلد بعد انسحاب «الجيش الأحمر» منه ثم انهيار الاتحاد السوفياتي. إنه انقلاب السحر على الساحر لا أكثر ولا أقل. لم يدرك الأميركيون لحظة وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن العلاج للإرهاب لا يمكن أن يقتصر على أفغانستان، وأن القضاء على نظام «طالبان» لا قيمة تذكر له من دون معالجة جذرية للوضع الباكستاني.
هل فات أوان معالجة الوضع الباكستاني؟ هل في استطاعة دولة مثل الهند تحمل باكستان الحالية إلى ما لا نهاية، خصوصاً بعدما صارت تشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار والسلام الداخلي فيها، بدليل ما حصل في مومباي قبل فترة قصيرة؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها حالياً في شأن باكستان، خصوصاً أنها دولة نووية. الشيء الوحيد الأكيد أن الوضع فيها مقبل على تطورات دراماتيكية قريباً. من سيخلف آصف زرداري، أرمل بي نظير بوتو، الذي سيصعب عليه إكمال ولايته؟ ماذا سيفعل برويز مشرف الذي قد يضطر الأميركيون إلى الاستعانة به مجدداً؟ ما سيكون موقف نواز شريف الساعي إلى تصفية حساباته مع مشرف وزرداري في آن؟ ولكن يبقى السؤال الأهم هل باكستان دولة قابلة للحياة في ظل انهيار المؤسسات الرسمية على نحو تدريجي، خصوصاً خارج المدن الكبرى، وتمدد التطرف الديني، كما الهشيم في النار، وتأكد أن المؤسسة العسكرية والأمنية مخترقة من «طالبان» اختراقاً شبه كامل؟ ليس صدفة هذا الاهتمام الأميركي كله بباكستان والتركيز عليها. إنها بالفعل مشكلة المشاكل التي قد تصرف إدارة أوباما عن قضايا أخرى تستحق اهتماماً خاصاً منها...
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي