خيرالله خيرالله / من يخدم تهريب السلاح إلى غزة؟

تصغير
تكبير
لماذا تهريب السلاح إلى غزة ومن يخدم هذا السلاح؟ هل صحيح أنه يخدم القضية الفلسطينية في شيء؟ هل تصلح غزة الساقطة عسكرياً والمحاصرة من الجهات كلها قاعدة انطلاق لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر، لا فارق؟ هل هناك إجماع فلسطيني على التخلي عن خيار الدولتين؟
ثمة حلقة مفقودة في الأزمة القائمة بين السلطات المصرية من جهة و«حزب الله» الإيراني المقيم في لبنان من جهة أخرى. لعل أفضل من يعبر عن تلك الحلقة المفقودة كلام السيّد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني الذي حاول الدفاع عن «حزب الله» عن طريق تبريره خرق السيادة المصرية والأمن المصري بقوله إن الخلاف بين الجانبين «خلاف بين وجهتي نظر». هناك، كما يُفهم من كلام الرئيس برّي، دولة عربية لا تقبل بتهريب أسلحة عبر أراضيها ولا تقبل دخول أراضيها بجوازات مزورة أو جوازات حقيقية بأسماء غير أسماء حامليها، وهناك «مقاومة» تسعى إلى نجدة غزة عن طريق إرسال أسلحة إلى القطاع. هل صحيح أن المس بسيادة الدول وأمنها مجرد خلاف بين وجهتي نظر؟ هل صحيح أنه يكفي أن يردد رئيس مجلس النواب اللبناني ما يقوله مسؤولو «حزب الله» عن أن الأمن المصري لم يكن مستهدفاً كي يصبح تهريب السلاح عبر دولة معينة، أكانت مصر أو غير مصر، مجرد وجهة نظر؟
أبعد من كلام الرئيس برّي لابدّ من العودة إلى الحلقة المفقودة في الأزمة التي تمثّل في نهاية المطاف أحد مظاهر المواجهة القائمة بين النظام العربي ومفهوم الأمن الإقليمي للمنظومة العربية عموماً... وإيران. تتمثل الحلقة المفقودة في سؤال في غاية البساطة: ما الفائدة من السلاح الذي يهربه «حزب الله» إلى «حماس» في غزة وما هدف التهريب وفي مصلحة من يصب؟ لابدّ من تجرع كمية لا بأس بها من الجرأة قبل الاجابة عن السؤال ذي الأبعاد الثلاثة. الواقع اللافت، أن أكثرية المعلقين على الأزمة تجاهلوا السؤال أو فضلوا عدم التطرق إليه، إما لأنهم لا يعرفون ماذا يدور فعلاً في غزة وإما لأن غزة ليست سوى مادة تستخدم في شرذمة الوضع الفلسطيني. يفعلون ذلك من منطلق أن الفلسطينيين لا يصلحون إلا وقوداً في معارك ومواجهات وصراعات إقليمية لا علاقة لهم بها. ألم يُستخدموا في الماضي وقوداً في عملية ضرب الاستقرار في لبنان والإخلال بالتوازن فيه، تمهيداً لدخول القوات السورية إلى الوطن الصغير بضوء أخضر أميركي؟ ألم يستخدموا قبل ذلك في الأردن في عملية، لو قدّر لها أن تنجح لا سمح الله، لكانت المملكة الأردنية الهاشمية تحولت إلى «الوطن البديل» بما يناسب التطلعات القديمة لآرييل شارون التي لا يزال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الحالي يؤمن بها ويسعى إلى الاستجابة لها؟

بكلام واضح الوضوح كله، لا وجود لشيء اسمه مقاومة من غزة. انسحب الاحتلال الإسرائيلي من القطاع في العام 2005. من لديه بعض من ذاكرة، يعترف بأن الانسحاب الإسرائيلي حصل من جانب واحد بغية تحقيق هدفين. الأول إحراج السلطة الوطنية الفلسطينية وإظهارها في مظهر العاجز عن ضبط الأمن بعد الانسحاب. أما الهدف الآخر فيتمثّل في الإمساك بالضفة الغربية بشكل أفضل، أو على الأصح بالقسم الأكبر منها من أجل تكريس الاحتلال وضمان عدم إزالة المستوطنات منها. هذا على الأقل ما قاله صراحة دوف فايسغلاس، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون وقتذاك. ورد هذا الكلام في السنة 2004 قبل دخول شارون في غيبوبته الطويلة على لسان فايسغلاس في حديث له إلى صحيفة إسرائيلية أكد فيه أن الهدف من الانسحاب من غزة، الذي حصل فعلاً في وقت لاحق، هو تجميد «العملية السياسية»، نظراً إلى أنها يمكن أن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية.
وقع الفلسطينيون في الفخ الإسرائيلي. كان السلاح الذي يدخل غزة يستخدم ضد السلطة الوطنية وليس ضد إسرائيل. لم يتغير شيء منذ ما قبل حصول الانسحاب الإسرائيلي. ما في الأمر كله أن «حماس» نفّذت انقلاباً منتصف العام 2007 كانت نتيجته الوحيدة قيام كيانين فلسطينيين، وذلك للمرة الأولى منذ نشوء القضية الفلسطينية. يشكل ذلك الخطر الأكبر على مستقبل القضية وعلى مستقبل الشعب الفلسطيني في غياب أفق سياسي للقضية يرتكز على برنامج محدد يقبل به المجتمع الدولي مبني على قيام دولتين مستقلتين على أرض فلسطين...
من الواضح أن إسرائيل لم تعترض يوماً على إدخال السلاح إلى غزة بأي طريقة من الطرق، خصوصاً عبر الأنفاق أو من البحر. عندما تشعر أن كمية السلاح أو نوعيته يمكن أن يشكلا تهديداً فعلياً لها تلجأ إلى ضربة مثل تلك الضربة التي وجهتها إلى قافلة سلاح كان مقرراً تهريبها إلى غزة بعد تفريغها في السودان. لم تستطع القافلة مغادرة الأراضي السودانية في اتجاه مصر ثم غزة. قصفها الإسرائيليون من الجو نظراً إلى أن هذا السلاح يمكن أن يستثمر في إطار ما يتجاوز الهدف الإسرائيلي الذي لا حاجة إلى تكراره. إنه استخدام الانقسام الفلسطيني والحال السائدة في القطاع لتبرير تجميد العملية السياسية من جهة وتكريس وجود كيانين فلسطينيين مستقل كل منهما عن الآخر من جهة أخرى.
ما الذي يفعله «حزب الله»، إذاً، عندما يلعب دوراً في تهريب السلاح إلى غزة؟ إنه لا يسيء إلى مصر التي تسعى إلى التخلص من وجود كيانين فلسطينيين خدمة لقضيتهم فحسب، بل يخدم إسرائيل من حيث يدري أو لا يدري أيضاً. ولكن من قال إنه لا وجود لحلف مقدس بين المتطرفين في المنطقة، من عرب وغير عرب وإسرائيليين؟ أليست هناك جبهة واسعة تعارض أي جهد يصب في العودة إلى المفاوضات السياسية؟ أليس وجود بيبي نتنياهو في موقع رئيس الوزراء الإسرائيلي للمرة الثانية في حياته دليلاً على أنه الممثل الشرعي الوحيد لجبهة الرفض الإسرائيلية والعربية وغير العربية التي لا مصلحة لها سوى في نشر البؤس واليأس بين الفلسطينيين والقضاء على قضيتهم؟ مرة أخرى، ماذا يفيد إرسال السلاح إلى غزة؟ هل يخدم ذلك الفلسطينيين أم يخدم إسرائيل؟ بعد الاجابة عن هذا السؤال، لم تعد هناك للأسف الشديد أي حلقة مفقودة في أي شكل من الأشكال. إنه سلاح في خدمة إسرائيل وفي خدمة الرفض الإسرائيلي لخيار الدولتين لا أكثر ولا أقل.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي