خيرالله خيرالله / العراق أو لقاء الجهل الأميركي بمجتمع فككه صدّام...

تصغير
تكبير
عندما يلتقي الجهل الأميركي بشؤون الشرق الأوسط وشجونه من جهة بمجتمع مفكك مثل المجتمع العراقي، مجتمع تآكل نسيجه بعد نصف قرن من ممارسة السلطة على نحو تعسفي من جهة أخرى، يصبح طبيعياً أن ينتهي العراق إلى ما انتهى إليه. إنه بلد من دون هوية واضحة ليس معروفاً هل يبقى موحدا أم أنه سيقسم يوماً. الأمر الوحيد الأكيد أن العراق عند مفترق طرق وأن إيران تنتظر الوقت المناسب لملء الفراغ الذي يمكن أن يتركه الانسحاب العسكري الأميركي مستقبلاً. السؤال: هل ستكون إيران مهيأة لوضع يدها على العراق كله عند انسحاب الأميركيين يوماً، أم أنها مقبلة بدورها على تغييرات كبيرة وعميقة؟ مثل هذه التغييرات مرجحة على الصعيد الداخلي في ضوء فشل النظام الذي أقامه رجال الدين في فهم طبيعة المجتمع، خصوصاً توق الجيل الشاب إلى مستقبل أفضل يرتكز على الانفتاح على العالم بعيداً عن الفكر الأسود الذي تفرضه النظرة المتزمتة إلى الدين واستخدام الدين في خدمة سياسة أقل ما يمكن أن توصف به أنها سياسة توسعية تخفي شعوراً عميقاً بالعنصرية مرده إلى اعتقاد الفرس بأن ثقافتهم وحضارتهم متفوقتان على الثقافة والحضارة العربيتين ...
كانت نقطة التحول في العراق انفراط الدولة المركزية قبل ست سنوات. في مثل هذه الأيام من العام 2003، بدأ الزحف العسكري الأميركي في اتجاه بغداد. سقط النظام العائلي - «البعثي» في التاسع من أبريل 2003. كان النظام بيتاً من ورق تهاوى مع وصول طليعة القوات الأميركية إلى قلب العاصمة العراقية التي لم تجد من يدافع عنها. كانت لحظة مؤلمة حقاً أن يدخل الأميركيون عاصمة عربية وأن يُستقبلوا فيها كمحررين. صحيح أن الاحتلال الأميركي واجه في مرحلة لاحقة مقاومة، ولكن الصحيح أيضاً بعد ست سنوات من الاحتلال أن ما يحكى عن مقاومة كان في الواقع عمليات عسكرية غير منظمة ارتدت في أحيان كثيرة طابعاً إرهابياً وفي أحيان أخرى طابعاً مذهبياً. ما يثير الحزن أن معظم القتال كان بين العراقيين أنفسهم وأنه أخذ منحى نزاع مذهبي لم يشف منه العراق إلى الآن، رغم سعي حكومة نوري المالكي إلى الظهور في مظهر يوحي بأنها بعيدة عن الطائفية والمذهبية... وغير تابعة لإيران.
بعد ست سنوات على الاحتلال الأميركي للعراق. هناك سؤالان كبيران مطروحان الأول يمكن الإجابة عن أحدهما استناداً إلى معطيات محددة والآخر لا يزال من دون جواب شاف.

السؤال الأول الذي حيّر كثيرين في البداية هو: لماذا لم تجد بغداد من يدافع عنها ولماذا سقط النظام بهذه السهولة كلها؟ الجواب بكل بساطة أن نتيجة الغزو الأميركي للعراق جاءت تتويجاً لسنوات طويلة من الديكتاتورية والظلم والظلام والظلامية مارسها حزب كانت قاعدته تتقلص باستمرار، في وقت كانت قيادته تنغلق على نفسها وتتحول إلى مجموعة صغيرة لا يزيد عدد أعضائها على عدد أصابع اليد الواحدة. كانت الحلقة الضيقة التي تتحكم بالقرارات الكبيرة منذ العام 1995، تاريخ فرار الصهر حسين كامل ولجوئه إلى الأردن، مقتصرة على صدّام حسين وولديه عديّ وقصيّ والسكرتير الشخصي للرئيس عبد حمود. يضاف إلى هؤلاء الأربعة ابن عم صدّام علي حسن المجيد، أو علي الكيماوي... إلى حدّ ما.
ما حصل في بغداد في مرحلة الغزو الأميركي كان حصيلة تراكمات بدأت في اليوم الأسود من العام 1958 الذي سمي «ثورة الرابع عشر من تموز». يومذاك، ارتكبت مجزرة رهيبة في حق الأسرة المالكة لم يشفَ منها العراق إلى الآن. لم يرَ العراق يوماً أبيض منذ الانقلاب المشؤوم الذي جاء بالعسكر إلى السلطة ثم بحزب «البعث» الذي بدأ حزباً ذا امتدادات على الصعيد الوطني، باستثناء المنطقة الكردية طبعاً، وانتهى مجموعة قيادية تنتمي إلى منطقة معينة هي تكريت ثم في السنوات الأخيرة مجموعة تنتمي إلى قرية معينة في تلك المنطقة هي قرية العوجة، مسقط رأس صدّام.
لم يكن سقوط «البعث» سقوطاً لحزب فحسب، بل كان قبل أي شيء آخر سقوطاً لعائلة احتكرت السلطة عبر أفراد ينتمون إليها. على رأس هؤلاء صدّام وولداه. كان الثلاثة قادرين على التحكم بكل ما في البلد من بشر وإمكانات وثروات. جسّد صدّام في شخصه سلسلة طويلة من الأخطاء الاستراتيجية ارتكبها على كل الصعد بدءاً بخوضه حرب غير محسوبة النتائج مع إيران استمرت ثماني سنوات أنهكت العراق والمنطقة وانتهاء بجريمة احتلال الكويت التي أنهت النظام عملياً... قبل ثلاثة عشر عاماً من سقوط بغداد.
ما حصل من سقوط مريع للنظام كان طبيعياً ومنطقياً، خصوصاً بعد إنشاء جيش رديف للجيش الوطني هو الحرس الجمهوري ثم حرس رديف للحرس هو الحرس الجمهوري الخاص بقيادة عديّ صدّام حسين. ولكن ما لم يكن طبيعياً القرار الذي اتخذته إدارة بوش الابن بشن عملية عسكرية واسعة. إنه السؤال الثاني وهو السؤال الذي لا يزال يثير الحيرة. لماذا كانت عملية العراق؟ هل صحيح أنه كان في واشنطن من يعتقد أن العراق سيتحول بقدرة قادر إلى دولة ديموقراطية مزدهرة وأنه سيكون نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه دول المنطقة؟ هل كان مطلوباً أن يكون العراق، باحتياطه النفطي، البديل من دول المنطقة الأخرى على رأسها المملكة العربية السعودية التي كانت الأنظار الأميركية كلها متجهة إليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 نظراً إلى أن 15 إرهابياً من أصل 19 كانوا من مواطنيها؟
من كان يعتقد أن العراق سيتحول بين ليلة وضحاها إلى نموذج للديموقراطية ساذج إلى حد كبير. كان الطفل يعرف أن سقوط صدّام كان سيشكل انتصارا استراتيجياً لإيران من جهة وأن انهيار النظام سيفجر الأحقاد المذهبية الدفينة كلها التي تراكمت جراء سنوات طويلة من الديكتاتورية والقمع اليومي للمواطن من جهة أخرى. كان مطلوباً تغيير المعادلة الإقليمية. حصل ذلك بالفعل. بعد ست سنوات على الاحتلال الأميركي للعراق، هناك شرق أوسط جديد تتحكم به توازنات مختلفة. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كنا نسمع الآن عن «التحدي الإيراني». لو لم يكن الأمر كذلك، لما كانت تركيا هي التي تتولى الوساطة بين سورية وإسرائيل. لو لم يكن الأمر كذلك، لما كان مطروحاً جدياً سؤال من نوع هل لا تزال القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى... أم أن ما يشغل بال العرب حقيقة «الخطر الإيراني» وانفلات الغرائز المذهبية بدليل ما شهدته بيروت في مايو من العام الماضي؟
المسألة مسألة وقت قبل أن يتبين بشكل واضح لماذا حصلت العملية الأميركية في العراق. كل ما يمكن قوله الآن أن المنطقة تغيّرت بشكل جذري وأن ما نشهده ليس سوى بداية. المسألة مسألة وقت أيضاً قبل أن نعرف ما إذا كان العراق سيصمد في وجه الهجمة الإيرانية المقبلة وما إذا كانت إيران ستكون قادرة على شنّ مثل هذه الهجمة...
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي