خيرالله خيرالله / هل هو نقل أميركي لميدان المواجهة مع إيران؟

تصغير
تكبير

يطرح الكشف عن تقرير الاستخبارات الأميركية في شأن البرنامج النووي الإيراني أسئلة أكثر بكثير مما يوفر أجوبة. قبل كل شيء لا بد من التذكير بأن التقرير الذي أعلن عنه قبل نحو أسبوع يشكل تغييراً جذرياً في التقويم الأميركي للبرنامج النووي الإيراني. إنه تقويم يعتبر أن إيران أوقفت الجانب العسكري في برنامجها النووي منذ العام 2003 معطياً الحق للذين انتقدوا الحملة الأميركية على إيران التي قادها الرئيس بوش الابن شخصياً ونائب الرئيس ديك تشيني.

ماذا وراء التقرير ولماذا صدوره في هذا التوقيت بالذات؟ ربما أرادت المؤسسة الأمنية تأكيد أنها ليست مسؤولة عن الأخطاء التي ارتكبتها إدارة بوش الابن في الماضي، والتي استندت إلى تقارير ذات طابع استخباري لتبرير الحرب على العراق. ركزت هذه التقارير وقتذاك على أسلحة الدمار الشامل العراقية التي يمتلكها العراق، والتي تبين أنها لم تكن موجودة. والمفارقة أن الرئيس الراحل صدام حسين كشف في اللقاءات التي أجراها مع المحقق الأميركي الذي كان يزوره في سجنه في مرحلة ما قبل بدء محاكمته أنه كان يدعي امتلاك أسلحة الدمار الشامل بهدف واحد هو تخويف إيران. كان صدام يخشى من أن تكون لدى إيران نية الانتقام من العراق استكمالاً للهزيمة العسكرية التي لحقت به اثر المغامرة المجنونة لصدام في الكويت. ما حصل أن الدهاء الإيراني تكفل بجعل الأميركيين يشنون الحرب على العراق، نيابة عن إيران، من أجل اسقاط النظام العائلي ـ البعثي للرئيس العراقي الراحل.

لا يكفي القول إن المؤسسة الأمنية تريد استعادة الاعتبار الذي تستحقه، وبالتالي استعادة الاحترام والصدقية. ولا يكفي القول إنها شاءت الرد على إدارة بوش الابن التي استخدمتها لتبرير حرب العراق، التي لم يخرج منها سوى منتصر واحد هو إيران، لتبرير صدور التقرير الأخير. في النهاية، الولايات المتحدة دولة مؤسسات ومن الصعب أن تنشر أجهزة الاستخبارات تقارير سرية من دون موافقة الإدارة. ولذلك، يحتمل أن تكون هناك اعتبارات أخرى وراء هذا التقرير. من بين هذه الاعتبارات تواطؤ ما بين الإدارة والمؤسسة الأمنية يستهدف نزع ورقة التخويف الإيرانية بالسلاح النووي.

انشغل العالم في السنوات القليلة الماضية بالبرنامج النووي الإيراني. وفي ظل انشغال العالم بما إذا كانت إيران ستتمكن من امتلاك السلاح النووي، انصرف النظام فيها إلى تعزيز مواقعه على الصعيد الإقليمي. ركّز النظام الإيراني على ابتلاع جنوب العراق وتحويله إلى محافظة إيرانية بطريقة أو بأخرى. وأكد في الوقت ذاته أنه لاعب أساسي في لبنان، وأنه يمتلك عبر «حزب الله» قرار الحرب والسلم في الوطن الصغير. وأثبت ذلك صيف العام 2006 عندما اتخذ القرار القاضي بمهاجمة موقع إسرائيلي عند «الخط الأزرق» في جنوب لبنان وأسر جنديين. وأدى الأمر إلى شن إسرائيل حربها على لبنان التي أعادت البلد ثلاثين عاماً إلى خلف. ووصل نفوذ النظام الإيراني إلى غزة حيث لعب دوراً أساسياً في الانقلاب الذي نفذّته «حماس» بواسطة الميليشيات التابعة لها على رأسها «القوة التنفيذية» التي بنيت على طريقة ميليشيا «حزب الله» في لبنان.

هل استهدف تقرير الاستخبارات الأميركية سحب ورقة السلاح النووي من يد إيران والقول لها إن الموضوع الأساسي ليس السلاح النووي بمقدار ما أنه النفوذ الإيراني في المنطقة خصوصاً في الخليج الغني بالنفط ومصادر الطاقة؟ ربما كان هذا التفسير للأسباب التي دفعت في اتجاه صدور التقرير منطقياً إلى حد ما. الدليل على ذلك رد الفعل الإيراني على التقرير خصوصاً ما صدر عن الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي أكد الإصرار على البرنامج النووي وعلى تخصيب اليورانيوم تحديداً. بدا الرئيس الإيراني وكأنه يقول إن قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق وإن المطلوب انشغال العالم بالبرنامج النووي الإيراني وليس بما تفعله إيران على الأرض أكان ذلك في لبنان أو فلسطين أو العراق أو البحرين...

في النهاية، إن البرنامج النووي لا يهم سوى إسرائيل. ما يهم الولايات المتحدة من يمتلك النفوذ في المنطقة، خصوصاً في منطقة الخليج حيث الاحتياط النفطي الأهم في العالم. صحيح أن التقرير يعتبر رسالة إلى إيران فحواها أن لا ضربة أميركية قريباً، نظراً إلى أنه لا دليل على تطويرها السلاح النووي وأنها أوقفت برنامجها في العام 2003 بشهادة كل أجهزة الاستخبارات الأميركية. لكن الصحيح أيضاً أن المعركة انتقلت إلى مجال آخر. من صاحب النفوذ في المنطقة وفي الخليج تحديداً؟ هل تستطيع إيران أن تكون القوة المهيمنة على المنطقة؟ هل مسموح لها بذلك؟

لا بدّ من العودة دائماً إلى تجربة صدّام حسين مع الإدارة الأميركية، أي إدارة أميركية. انتهى صدّام يوم دخلت قواته الكويت ثم أراد التفاوض مع الأميركيين من موقع أن الكويت بنفطها «قالب حلوى» ابتلعه العراق، وأنه لا مفر أمامهم من التفاوض معه في شأن اقتسام النفوذ في المنطقة. عندما طرح الرئيس العراقي الراحل هذه المعادلة، كان يعلن نهايته. لم يفهم أن الأميركيين على غير استعداد لتقاسم النفوذ في المنطقة مع أي جهة أخرى. رفضوا ذلك إبان الحرب الباردة، فكيف يمكن أن يقبلوا به بعدما صاروا القوة العظمى الوحيدة في العالم؟ قد تكون تلك الرسالة المختلفة التي أرادت الإدارة الأميركية توجيهها إلى إيران عبر طمأنتها في شأن برنامجها النووي! أرادت نقل المواجهة إلى ميدان آخر، ميدان النفوذ الإقليمي لا أكثر ولا أقلّ.

ثمة من يفسر الخطوة الأميركية هذه بأن الإدارة استعادت المبادرة إقليمياً نتيجة التطور الإيجابي الذي شهده الوضع في العراق. صارت هناك قدرة على احتواء خطر «القاعدة» والإرهاب الذي يمثله هذا التنظيم في المناطق السنية. سمح ذلك للأميركيين بمباشرة التصدي المباشر للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. مادام خطر «القاعدة» استئصل ما مبرر استمرار وجود الميليشيات الشيعية؟ هذه رسالة أخرى يوجهها الأميركيون إلى إيران عبر تقرير أجهزة الاستخبارات المجتمعة. فحوى الرسالة أن الأرض الحقيقية للمعركة هي مستقبل العراق والنفوذ الإقليمي لإيران، وأن الملف النووي لن يغطي النيات المبيتة للنظام الإيراني مهما بلغ من قدرة على ممارسة فن الدهاء.


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن


 

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي