علي محمد الفيروز / إطلالة / الانسحاب الأميركي من العراق

تصغير
تكبير
في خطاب رئاسي دام 52 دقيقة، اعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما، امام مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس، عن اجراء مراجعة متأنية للسياسة الاميركية في حربيها في العراق وافغانستان، وقال سأعلن قريبا عن خطة للمضي قدما في العراق، لنترك بلد العراق وأمنه لشعبه، ونضع حداًَ للحرب العراقية بمسؤولية، مؤكدا للحضور ان: «يوم الحساب قد جاء، وان هذا القرار من ضمن القرارات الصعبة التي سأتخذها»، نعم هذا هو باراك حسين اوباما الذي لم يتغير مع سياسة التغيير الذي وعد ناخبيه منذ فترة حملته الرئاسية، وها هو الان يؤكد مرة اخرى ان: «أميركا لا يمكنها مواجهة مخاطر هذا القرن وحيدة، ولكن لا يمكن ايضا للعالم ان يواجهها من دون اميركا»، مشيرا إلى: «ان النشاط الاميركي الجديد تجاه الشرق الاوسط تحول إلى تغيير جذري عن ادارة الرئيس السابق جورج بوش الذي لم ينخرط في مساع ديبلوماسية ناشطة في الشرق الاوسط»، ويذكر ان الرئيس بوش قد تعرض إلى انتقاد شعبي شديد على كيفية ادارته لحرب العراق، وفقدان اكثر من 4250 جندياً اميركياً في حرب مضى عليها ستة اعوام من دون تحقيق نتائج طيبة للشعب الاميركي! لذا يريد الرئيس الحالي باراك اوباما مع طاقم ادارته بالعمل جديا على سحب عدد كبير من الجنود الاميركيين الذين يصل عددهم الـ 140 الف جندي من العراق بأسرع وقت ممكن حتى يتجنب العنف والقتل، وينهي نشوب حرب شكلت مصدر ازعاج للامن والاستقرار الاميركي، وفي وقت استنزفت فيه الكثير من اموال الخزانة الاميركية العامة لاسباب غير جوهرية، لذا يرى كبار القادة العسكريين ان فكرة الانسحاب الاميركي من العراق يجب ان تُفعّل ولكنها يجب ان تتركز على مدى 23 شهرا وهو عكس ما يطمح اليه الرئيس اوباما، الذي اقترح ان يكون الانسحاب وفق جدول زمني يتضمن 16 شهرا وهو الخيار الذي سبق له ان اقترحه اثناء حملته الانتخابية، كما وعد الرئيس اوباما زيادة اجور العسكريين تماشيا مع الازمة الاقتصادية وغلاء المعيشة، اضافة إلى منح المحاربين القدامى عناية اكبر، وتعويضات افضل وهي خطوة جيدة تستحق الاشادة، لان الاحباط الذي عاشه المحاربون خلال خوضهم حربين متتاليتين في العراق عام 2003 وفي افغانستان عام 2001 لم يكن بالامر الهين تحت فجاعة النيران، وفقدان الضحايا والاصدقاء، ووعد الرئيس اوباما ايضا نسف الممارسات السابقة لادارة جورج بوش التي كانت مصرة على عدم ادراج النفقات العسكرية التي تخص حرب العراق وافغانستان في الموازنة العامة، وتغيير عملها وفق استراتيجية واضحة للمرحلة المقبلة، نرى ان العراق اليوم اصبح دولة آمنة ومستقرة، وان العنف والارهاب قد تدنى فيها بنسبة كبيرة، واصبحت تمارس دورها بشكل طبيعي في المنطقة، وهذا يعطي الامل بضرورة الانسحاب الاميركي من جزء كبير من العراق سريعا من دون حدوث اي خلل امني، وعليه اكد معظم المسؤولين العسكريين عن املهم وتفاؤلهم في ان يتم الانسحاب الاميركي في غضون 16 شهرا فضلا عن امكان احتواء ذلك قبل نهاية عام 2011 بموجب اتفاق سبق بين واشنطن وبغداد الذي ينص على مغادرة القوات الاميركية من العراق والبالغ عددها نحو 142 الف جندي، وتسلم قوات الامن العراقية محلها لاداء المهمة، ولكن على اي حال، يبقى للبيت الابيض رأي اخر في تقييم الاوضاع والمخاطر المرتبطة بالانسحاب اي كان نوعه ووقته... وعلى ضوء تكتيك الانسحاب الاميركي الذي اخذ وقتا لا بأس به من الدراسات، اعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما من «قاعدة كامب ليغون التابعة لمشاة البحرية المارينز» في نورث كارولينا عن خطته الجديدة للانسحاب الأميركي من العراق بحلول 31 اغسطس عام 2010 كليا، وانهاء حرب لا تلقى اي تأييد من الداخل الامر الذي ادى إلى خلق انقسامات داخلية بين الاحزاب السياسية، هذا وقد ركزت الخطة الجديدة على ابقاء من 35 الفاً إلى 50 الف جندي اميركي في العراق لتدريب واعداد القوات العراقية، وحماية الموظفين المدنيين الاميركيين في العراق فضلا عن القيام بأعمال محدودة لمكافحة الارهاب ومنع وتيرة العنف الطائفي الا ان بعض اعضاء مجلس النواب الاميركي وتتقدمهم نانسي بيلوسي لهم وجهات نظر اخرى خصوصا حيال الاعداد الكبيرة التي تمثل رقما عاليا، فهم يفضلون بقاء من 15 إلى 20 الف جندي اميركي على الاكثر، فيما يفضل قائد القيادة الاميركية الوسطى الجنرال ديفيد بتريوس جدولا مختلفا عن الرئيس اوباما يتم من خلاله انسحاب أميركي على مدى 23 شهرا حتى لا تضيع الانجازات العسكرية والمكاسب الامنية التي تحققت على الاراضي العراقية على مدى عام ونصف العام إذا انسحبت القوات الاميركية باسرع من المطلوب، ولو نرجع قليلا إلى الاتفاق المسبق فالنية تتجه إلى سحب القوات القتالية من العراق بحلول الاول من يناير عام 2012م.
واحتمالات مراجعة الرئيس اوباما وفريقه لخطة الانسحاب قد تصبح واردة في حال تدهور الاوضاع الامنية مجددا في العراق، على اعتبار ان ما يقوم به الرئيس باراك اوباما ذات مسؤولية قصوى قد تكون عواقبها وخيمة، لذلك مصادر عسكرية تطالب ادارة الرئيس اوباما بتنفيذ خطة الانسحاب على المهل وببطء مبني على استراتيجية عسكرية ناجحة حتى يعود القسم الاكبر من القوات المقاتلة بعد 16 شهرا من توليه مهامه، فالحجم الحالي للقوات الاميركية داخل العراق يمثل مشكلة لها ابعاد كثيرة، للشعب الاميركي الذي عانى من ويلات الحروب وافرازاتها فلم يعد العراق محط اهتمامهم الاكبر رغم استنزاف الخزانة التي بلغت نحو تريليون دولار فقط على نفقات الحرب العراقية وفقدان اكثر من 4200 جندي اميركي.
وفي هذا السياق، اعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن امكان انسحاب مبكر للقوات الاجنبية من العراق قبل انتهاء فترة الثلاثة اعوام المتفق عليها ضمن الاتفاقية الامنية المبرمة بين بغداد وواشنطن، كما بيّن قدرة القوات الامنية العراقية للدفاع عن امن وطنهم ومستعد لتسلم مهامه الامني في كل انحاء العراق في حال صدور اي قرار مفاجئ لواشنطن يأمر بسحب قواتها من العراق خلال 16 شهرا وفقا لخطط ادارة الرئيس اوباما الجديدة، الذي لاقى العراقيون من خلاله ترحيبا واسعا «بطريقة مسؤولة»، مسؤولون عراقيون اكدوا على قدرة الجيش العراقي بتسلم زمام الامور وملء الفراغ في البلاد بطريقة مسؤولة وبحكمة واقتدار، ولكن في الوقت نفسه، لا غنى عن دعم المجتمع الدولي لهذا القرار، وقد رحب ايضا نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بالالتزام الاميركي حيال العراق، داعيا إلى بذل اقصى جهد ممكن من اجل تطوير جهوزية القوات المسلحة العراقية، مشيدا بالدور الكبير الذي تقوم به واشنطن في هذا المجال...

وعلى ضوء ما سبق نستطيع القول إن قرار الرئيس الاميركي باراك اوباما في سحب القوات القتالية من العراق كان قرارا صائبا وموفقا لقي فيه ترحيبا واسعا في العالم وسحب القوات الاميركية يأتي طبيعيا وسط التحسن الامني الملحوظ في العراق، ورغبة الادارة الاميركية الجديدة في ان يتحول هذا الجهد العسكري إلى جهد مدني وانساني لاعادة اعمار العراق إلى الافضل، فالرئيس الاميركي باراك اوباما قد وفى بوعده واصاب بفعله، وكما قال ان مهمة القوات الاميركية في العراق سوف تتغير بحلول نهاية اغسطس عام 2010، وسيكون خروج اخر جندي اميركي في نهاية عام 2011، نعم انه العهد الجديد لسياسة الولايات المتحدة الاميركية في الشرق الاوسط والعهد الجديد لعراق الغد.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي