إلى متى يستمر تأثير الدعم الاستثنائي الذي تلقتْه الدولة اللبنانية ممثَّلة بالرئيس جوزاف عون، من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لمسار استعادة دورها وزمام إمساكها بكل مفاصل القرار وحصر السلاح بيدها، وكيف سيقاوم هذا المسار التراكمي والتسلسلي جاذبية السقوط في الهوة التي لا تنفكّ تزداد عمقاً على جبهة إيران وسط انسداد الأفق في وجه الخيار الديبلوماسي؟

هذان السؤالان خيّما على بيروت التي سادها مناخان متعاكسان:

- الأول استعادتْ معه أنفاسها بعد قمة البيت الأبيض «الناجحة جداً» والتي كرّست «بوليصة تأمين» أميركية مزدوجة للبنان.

سواء لجهة لجْم إسرائيل عن أي تعطيل لـ «الصيغة الإطار» التي تم توقيعها برعاية أميركية - عبر استئخار الانسحاب التدريجي وفق المناطق التجريبية - ما دامت «بلاد الأرز» تلتزم الشق المتعلق بها من موجباته لجهة سحب سلاح «حزب الله» من كل نطاقٍ نموذجيّ.

أو لناحية التصفيح المبكّر لمرحلة «اليوم التالي» لبنانياً التي انطلق التحضير لأرضيتها الاقتصادية - الاستثمارية الرامية إلى تمكين الدولة على مختلف المستويات بما يقوّض ركائز النفوذ الأخطبوطي لـ «حزب الله»، وهو ما عبّرت عنه الإشارة «الطائرة» التي وجّه عبرها ترامب، باستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى بيروت بعد انقطاع مستمر منذ صيف 1985 (عقب حادثة خطف طائرة TWA).

ورغم أن هذا القرار يتطلب وقتاً ليدخل حير التنفيذ وآلية تَحَقُّق أميركية متعددة الطبقة من درجة الأمن والأمان في مطار رفيق الحريري الدولي وعموم لبنان، إلا أنه وفق أوساط مطلعة يشكّل بلا أدنى شكّ «تأشيرة عودة» الولايات المتحدة إلى «بلاد الأرز» من الفضاء الأوسع الذي كان أحد بوابات الكوابيس التي حفرت في الذاكرة الأميركية عن واحدة من أشهر وأسوأ عمليات خطف الطائرات التي استمرت 17 يوماً ونفّذها "حزب الله" وقادها عماد مغنية، وقد استهدفت رحلة كانت متوجهة من أثينا إلى روما يوم 14 يونيو 1985 وكان على متنها 153 راكباً ومن أفراد الطاقم، وتم اقتيادها إلى بيروت ثم الجزائر مرتين (عودةً إلى بيروت).

وخلال المحطة الأولى في العاصمة اللبنانية، قام الخاطفون بضرب غطاس البحرية الأميركية روبرت ستيثيم، بشدة ثم أطلقوا عليه الرصاص وقتلوه ورموا جثته على مدرج المطار في مشهد هزّ الولايات المتحدة.

- وفي مقابل مناخ الارتياح الكبير للاختراق الذي حققته زيارة عون لواشنطن، ساد ارتيابٌ مقابل من ملامح وقوف الإقليم أمام «إعصار نار» جديد على جبهة إيران التي لا تنفكّ تهرب إلى الأمام في محاولةِ توسيع رقعة «حرب المضائق» فوق المفاوضات المعلَّقة مع الولايات المتحدة التي رسم رئيسها معادلة جديدة أمام طهران عنوانها «استهداف أي سفينة في هرمز يوازيه ضرب جسر أو محطة طاقة».

ويشكّل أي انفلات لجبهة إيران تحدياً كبيراً للبنان المربوط بـ «الأوعية المتصلة» بالمسار الحربي على الجمهورية الإسلامية التي تملك وحدَها مفتاحَ الضغط على زرّ التصعيد من «بلاد الأرز» عبر «حزب الله» في حال اقتضت المواجهة الجديدة ذلك، وهو ما سيعْني واقعياً في حال حصوله تعليق كل مفاعيل المسار الديبلوماسي بين بيروت وتل أبيب، وركيزته حالياً «الانسحاب مقابل سحب السلاح»، وترْك هذا الملف رهْن الدينامية العسكرية التي يُخشى أن تنطلق هذه المرة من حيث انتهتْ جولة الأيام الـ 108 الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل اي من حافة المنطقة الأمنية، وربما من الخاصرة البقاعية المفتوحة على العنصر السوري واحتمال استدعائه أميركياً رغم رفض دمشق ذلك.

المرحلة التجريبية

وفي وقت كان رئيس الحكومة نواف سلام، يزور منطقة زوطر الغربية، التي انسحب الجيش الإسرائيلي من أطرافها بعدما أُدرجت ضمن المرحلة التجريبية الأولى (مع فرون وصريفا غير المحتلتين)، ويزرع العلم اللبناني في ساحتها ويتابع كيفية انتشار الجيش فيها، لم يكن عابراً إعلان أن روما ستشهد في 4 أغسطس المقبل الجولة السابعة من المفاوضات بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية، لوضع الآلية التنفيذية لـ «الصيغة الإطار» وتحديداً خريطة المناطق التجريبية.

وفيما يُفترض أن يكون وصل إلى بيروت، رئيس مجموعة التنسيق العسكري للبنان، المولجة الإشراف على المناطق التجريبية، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، فإن الأيام الفاصلة عن اجتماع روما الثاني ستشكّل فسحة يُختبر خلالها، إلى جانب الأفق الإقليمي العاصف، تنفيذ المرحلة الأولى من انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية، فرون وصريفا وتفكيك أي بنيةٍ عسكريةٍ للحزب فيها ومنْع عودته إليها، وسط اقتناعٍ بأن نجاحَ هذه المرحلة سيتيح جدْولة سريعة لمرحلة ثانية، ورصْدٍ لِما إذا كانت واشنطن ستنجح في دفع تل أبيب لتحديد جدول زمني واضح بالانسحاب الكامل.

في موازاة ذلك، برز موقفان في لبنان:

- الأول من سلام الذي قال من زوطر الغربية «إن هذه لحظة وطنية تحمل أبعاداً سياسية ومعنوية كبيرة، لأنها تمثّل بداية الانسحاب الإسرائيلي من أرضنا»، معلناً «أكدنا منذ البداية أن هدفنا هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع أراضينا.وما نشهده اليوم ليس سوى بداية، لكننا مصمّمون وثابتون، وسنواصل حشد كل جهودنا السياسية والدبلوماسية من أجل تأمين الانسحاب الكامل من كامل الأراضي اللبنانية».

وشدد على «أننا بدأنا بتسخير كل إمكانات الدولة لمواكبة عودة الأهالي العائدين. فالجيش اللبناني والقوى الأمنية موجودون لحمايتهم، وبالتوازي مع استكمال انتشار الجيش، سنواصل فتح الطرق، وإزالة الركام، وتأمين الخدمات الأساسية».

- والثاني لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي قال إن المهم الآن بعد قمة واشنطن هو «النتائج على أرض الواقع وليس الشكل الذي ظهرت به فقط».

وصرح لصحيفة «الشرق الأوسط»، بأن «العبرة بعد هذا اللقاء هي في تثبيت وقف إطلاق النار والانسحابات، وهو ما لم يحصل حتى الآن»، مشيراً إلى أن «الانسحاب الذي نفذ من بلدة زوطر الغربية يوم الاثنين، بالكاد يعدُّ انسحاباً، فالبلدة صغيرة جداً ولم تكن محتلة بالكامل، كما أن عمليات التفجير الإجرامية مستمرة بحق المنازل والأحياء المدنية والبنى التحتية، كما الاعتداءات على الأهالي عند أطراف القرى المحتلة مستمرة».

ورأى أن «نجاح هذه القمة سيكون عبر تحقيق هذه الخطوات». وأضاف: «أنا قلت سابقاً قوموا بإنجازات وحطو على عيني... وهو ما لم يحصل بعد».

وعن انطباعه حول كلام الرئيس الأميركي الذي قال إن بري، سينضم إلى المسار عندما يرى التقدم الذي يحققه الاتفاق، رد ضاحكاً «يبدو أن ترامب، يفهمني أكثر من اللبنانيين».

خطة تنفيذية شاملة لاتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي

قدم الرئيس اللبناني جوزاف عون، للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال اجتماعهما في المكتب البيضاوي، الثلاثاء، وثيقة تتضمّن خطة تنفيذية شاملة لاتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي الموقع في 26 يونيو الماضي، وتحدد الخطوات الأمنية والعسكرية المطلوبة من الجانبين، إلى جانب الدور المنتظر من الولايات المتحدة في دعم تنفيذها.

وتنص الخطة، كما نقلت «العربية/ الحدث» عن مصادر خاصة، على أن تصبح جميع الأسلحة العسكرية في لبنان تحت السيطرة الحصرية للدولة، بما يشمل إنهاء أي وجود عسكري مستقل خارج المؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها البنية العسكرية للحزب، باعتبار أن احتكار الدولة للسلاح يمثل الأساس لاستعادة السيادة الكاملة وتحقيق الاستقرار في الجنوب.

ووفق المصادر، تقترح الوثيقة أن يبدأ الجيش الانتشار في عدد من القرى النموذجية، بالتزامن مع إعادة تموضع أو انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من تلك المناطق، على أن تتولى المؤسسة العسكرية ضمان خلو هذه المناطق من مقاتلي «حزب الله» وبنيته العسكرية ومستودعات الأسلحة وعدم عودة أي مظاهر للتسلح خارج سلطة الدولة.

كما تدعو الخطة إلى تفكيك جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مع التركيز بصورة خاصة على إنهاء البنية العسكرية للحزب، باعتبار ذلك خطوة أساسية لتنفيذ اتفاق الإطار واستقرار الحدود الجنوبية.

وفي الجانب المتعلق بالعلاقات مع واشنطن، تضمّنت الوثيقة عرضاً مفصلاً لاحتياجات الجيش اللبناني من التمويل والتجهيزات والدعم اللوجستي والعسكري، بهدف تطوير قدراته ليصبح قادراً على تولي مسؤولياته الأمنية بصورة مستقلة، «وطلب الرئيس اللبناني من الإدارة الأميركية، بحسب المصادر، المساهمة في بناء جيش لبناني أكثر قدرة واستقلالية، بما يمكنه من فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحماية الحدود دون الحاجة إلى أي قوة مسلحة موازية».

في المقابل، طلب عون من ترامب استخدام نفوذ الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل من أجل تنفيذ انسحاب تدريجي يعقبه انسحاب كامل من جنوب لبنان، باعتبار أن الانسحاب الإسرائيلي يمثل المقابل الأساسي لإنجاح خطة نزع السلاح وانتقال المسؤولية الأمنية إلى الدولة اللبنانية.

وأكدت المصادر أن الخطة تربط بصورة مباشرة بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل وحصر السلاح بيد الدولة، معتبرة أن تنفيذ المسارين بالتوازي يشكل المدخل العملي لاستعادة السيادة اللبنانية وإنهاء الوضع العسكري القائم منذ سنوات.

وكان مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية اللبنانية أشار الى أن المحادثات مع ترامب «ركّز على الأولويات الأمنية والسياسية والاقتصادية اللازمة لتعزيز استقرار لبنان وازدهاره»، وأن عون «شدّد على الحاجة الملحّة إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن ذلك يشكّل خطوة أساسية لترسيخ الاستقرار، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة، بقواها الذاتية حصراً، والمضي قدماً في تنفيذ إطار العمل الثلاثي المشترك».

كما بحث الجانبان في «تعزيز الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وتطوير التعاون في المجالات كافة، إضافة إلى دعم مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وتشجيع الاستثمارات الأميركية في لبنان. وأثار الرئيس عون أهمية إعادة الربط الجوي المباشر بين لبنان والولايات المتحدة».

وفي عشاء أقامتْه السفارة اللبنانية علي شرفه مساء الثلاثاء وحضره عدد من اعضاء الكونغرس والمسؤولين في الادارة الاميركية، أكد عون أنه «لا يمكن للبنان أن يكون آمناً ولا موحداً إلا حين يكون دولة واحدة بجيش واحد يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز»، معلناً أنه «يمكن نزع سلاح حزب الله إذا كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلاً اي ازالة الاحتلال وتولّي الجيش السيطرة الكاملة والحصرية وبرنامج إعادة إعمار تديره الدولة وحدها مقروناً بفرص اقتصادية حقيقية، بحيث لا يعود السلاح هو الخيار الوحيد، بل بينه وبين دولة فاعلة تحقق وعودها».