رغم دخان التوتر العالي على جبهة الولايات المتحدة - إيران والذي يُخشى أن يعاود إشعال الحريق الاقليمي الكبير، فإن لبنان القابع في عين العاصفة التي تتشكّل من جديد، يَمْضي في محاولةٍ شديدة الصعوبة لتحييد نفسه عن «منطقة الأعاصير» التي يملك «حزب الله» زرَّ زجِّ البلاد فيها كما فعل غداة «طوفان الأقصى» إسناداً لغزة ثم بعد يومين من «الغضب الملحمي» ثأراً للمرشد الإيراني علي خامنئي. ورغم إدراك لبنان والولايات المتحدة أن أي انهيارٍ شامل على جبهة إيران وانفجارها من جديد بما هو أبعد من «حرب الضربات» المحسوبة والرامية للضغط على طهران في المفاوضات الشائكة، سيَعْني عودة «حزب الله» إلى «الخندق الواحد» مع الجمهورية الإسلامية، هو الذي كان حرص على أن يكون الأمر «كما في الميدان كذلك في المسار الديبلوماسي»، فإنّ بيروت وواشنطن تسعيان إلى التسريع في بدء تطبيق «صيغة الإطار» التي تم توقيعها بين «بلاد الأرز» واسرائيل وأميركا قبل اسبوعين، ولا سيما انطلاق الانسحاب التدريجي من الجنوب اللبناني وفق سيناريو «المناطق التجريبية»، وصولاً لتشكيل فرق العمل التنفيذية لمضامين «الإطار» بعد التفاهم على التفاصيل وهو ما يُراد أن يحصل في جولة المفاوضات «التكميلية» التي تستضيفها روما على مدى يومين منتصف الجاري.
وفي إطار التحضيرات لتنفيذ ما اتُفق عليه في «صيغة الإطار» في ما خص المناطق التجريبية، يصل إلى بيروت خلال أيام وفد عسكري أميركي يقوده رئيس لجنة التنسيق العسكرية اللبنانية - الإسرائيلية - الأميركية الجنرال جوزف كليرفيلد «للتنسيق وتحديد آلية التنفيذ ميدانياً، إذ من الضروري عدم حصول أي فراغ لدى انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة المحددة، وفي ضوء نتائج الاجتماعات التنسيقية يتم تحديد موعد بدء التنفيذ على الأرض»، كما كشف السفير الأميركي ميشال عيسى، الذي أجرى لقاءات مع كل من الرئيس جوزاف عون، قبل 12 يوماً من زيارته لواشنطن، ورئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام.
وخلال لقائه عون، أوضح عيسى «أن زيارة الرئيس اللبناني لواشنطن تكتسب أهمية خاصة في هذا الظرف بالذات، وهي تعكس مدى الاهتمام الذي يوليه الرئيس دونالد ترامب، بلبنان وسعيه لتحقيق الأمن والاستقرار فيه وانهاء معاناة شعبه».
وعن الاجتماع المرتقب في روما في 14 و15 يوليو الجاري، أشار إلى «أن انتقال الاجتماع بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية إلى العاصمة الإيطالية مرده إلى أسباب تقنية فقط تتصل بتسهيل تنقل السفراء وأعضاء الوفود، علماً أن اجتماع روما ذات طابع تنظيمي وتنفيذي لِما ورد في صيغة الإطار لاسيما لجهة تشكيل فرق عمل متخصصة تتولى تنفيذ ما اتُّفق عليه في واشنطن من ترتيبات قد تحتاج إلى اختصاصيين قانونيين أو تقنيين تبعا للمواضيع المطروحة».
وأكد عيسى «أن ما سيجري في روما هو استكمال لما اتُّفق عليه في واشنطن».
وشدد عون، من ناحيته، على «ضرورة تثبيت وقف النار في الجنوب والضغط على إسرائيل لوقف الأعمال العسكرية والتقيد بما ورد في صيغة الإطار التي أعلنت في نهاية المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية في واشنطن». وأكد «ضرورة وقف القصف وأعمال التفجير والجرف التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في عدد من البلدات والقرى التي تحتلّها».
وفيما أُعلن أن رئيس مجلس النواب كرر أمام السفير الأميركي «السؤال عن تثبيت وقف النار والالتزام الإسرائيلي به، وخطوات الانسحاب من لبنان إلى الحدود الدولية»، أفيد أن البحث بين سلام،وعيسى، ركّز على «تنفيذ الإطار الثلاثي، ولا سيما لجهة بدء الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية، تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني فيها».
ويسود اقتناعٌ في بيروت بأن واشنطن باتت تتفهّم ضرورةَ تعزيز موقع لبنان الرسمي التفاوضي بما هو أبعد من الكلام، بمعنى منْح المُفاوض اللبناني «أنياباً» للردِّ من خلالها، بالأفعال، على الحرب السياسية التي يشنّها «حزب الله» ومن خلْفه إيران على عون ومسار واشنطن بوصْفه «عقيماً»، وتَمَسُّكه بمسار إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة كناظِمٍ لوقف القتال ومجمل «اليوم التالي» في «بلاد الأرز» مستفيداً من أن طهران أصرّت على إدراج وقف النار على جبهة لبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم مع أميركا وكان لها ذلك.
وفيما بات واضحاً أن الولايات المتحدة كانت أدارتْ «الجبهتين المتّصلتيْن» بما يخدم موجبات بلوغ تفاهم مع «الجمهورية الإسلامية» مع تحويل مسار التفاوض بين بيروت وتل أبيب بمثابة «ديفرسوار دبلوماسي» يجعل التأثيرَ الفعلي على جبهة لبنان لطاولة واشنطن، وهو ما عبّر عنه ما نقله موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي من «أن الاتفاق بين لبنان وإسرائيل جعل الجزء الخاصّ في لبنان بمذكرة التفاهم غير ضروري»، فإنّ البارز أن واشنطن لم تخفّف ضغطها على إسرائيل، بالتوازي، لحضّها على الإسراع في ترجمة مضامين «الصيغة الإطار» عبر إطلاق قطار «المناطق التجريبية» وصولاً لإعلان ترامب، نفسه من أنقرة «إسرائيل ستغادر لبنان» ليوضح وزير خارجيته ماركو روبيو «أن إسرائيل قلقة في شأن أمنها، ولدينا اتفاق بين إسرائيل ولبنان، ونعم، سيغادرون».
وإذ اعتُبر موقف ترامب، المتكرر عن أنّ الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي التقاه في أنقرة قدّم له التزاماً في شأن المساعدة في التعامل مع «حزب الله»، في إطار محاولة ضغط مزدوج على الحزب كما إسرائيل في ضوء تَقاطُع كل المعلومات والمعطيات عند أن دمشق ليست في وارد أي تدخل عسكري في لبنان من قريب أو بعيد وأن ما يعنيها فقط حمايةُ حدودها مع «بلاد الأرز»، فإنّ إشارات إضافية برزت من تل أبيب إلى عدم ارتياحها لضغوط واشنطن.
وفي الإطار، برز تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رداً على تصريحات ترامب «لم نطلب الإذن من أي جهة لدخول لبنان، ولا نحتاج إلى إذن للبقاء فيه، فهذا حقنا وواجبنا لحماية سكان الجليل ومواطني إسرائيل من تهديدات حزب الله».
وفد إيراني في بيروت
وعلى وقع الصوت العالي من لبنان رفْضاً لتدخل إيران في شؤونه واستعماله «ورقة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة»، قام وفد ايراني يضم معاون وزير الخارجية للشؤون القنصلية والبرلمانية وحيد جلال زاده، يرافقه مساعد وزير الخارجية لشؤون غرب آسيا وشمال أفريقيا مهدي شوشتري بجولة على مسؤولين في بيروت.
والى جانب لقاء بري، استقبل نائب رئيس الحكومة طارق متري، الوفد «واطلع منهم على المستجدات الدولية والاقليمية الاخيرة، ومستقبل التفاهم الأميركي الإيراني وانعكاساته الإقليمية، على لبنان. وكانت مناسبة للتشديد على أهمية السلام والاستقرار في الشرق الأوسط الذي تعب من الحروب المستمرة، وعلى نية لبنان بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، من منطلق السيادة الكاملة والاستقلال الفعلي من أي احتلال أو أي هيمنة أجنبية».
في الأثناء، برز تأكيد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، خلال لقائه وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن بلاده تبدي اهتماماً «بتشكيل خلية تعاون مع لبنان بمشاركة فرنسا»، وأنها ستدعم «أي قرار يتوصل إليه لبنان» في ما خص مرحلة ما بعد اليونيفيل وانتهاء مهمتها آخر السنة.