بيروت لا تستطيع مواصلة التقدم في المسار السياسي من دون التزام إسرائيلي أكثر وضوحاً... بالانسحاب

خريطة تُظهر «المنطقة العازلة» جنوب لبنان
خريطة تُظهر «المنطقة العازلة» جنوب لبنان
تصغير
تكبير

- «حزب الله» ليس جزءاً من المحادثات لكنه الطرف الرئيسي الذي تدور حوله التسوية بكاملها
- كاتس: لا تحتاج إلى موافقة أي طرف للعمل في جنوب لبنان

يعتزم لبنان طرح مطلب خلال المحادثات السياسية المقبلة في روما، يقضي بتحديد جدول زمني واضح لانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، باعتبار ذلك شرطاً لمواصلة التقدم في الاتصالات السياسية بين إسرائيل ولبنان، وفق مراسلة الشؤون السياسية في صحيفة «معاريف» آنا بارسكي.

وقد يحوّل هذا المطلب الجولة المقبلة من المحادثات إلى اختبار مهم للمسار السياسي الآخذ في التطور بين إسرائيل ولبنان. ففي بيروت يريدون ألّا يظل النقاش حول التسوية المستقبلية في مستوى المبادئ العامة فقط، بل أن تُلزم إسرائيل والولايات المتحدة بإدخال عنصر ملموس إلى العملية، مثل تحديد موعد أو آلية أو مراحل مُلزمة لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.

ومن المتوقع أن تُعقد المحادثات في روما يومي 15 و16 يوليو، بوساطة أميركية، وستكون الجولة السادسة من الاتصالات المباشرة منذ استئناف المسار السياسي.

ويتعلق المطلب اللبناني المتوقع طرحه بنقطة الضعف الرئيسية في الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية. فعلى الرغم من أن الاتفاق ينص على عملية تدريجية يُفترض خلالها أن يوسّع الجيش اللبناني انتشاره في الجنوب، وأن يُنزع سلاح «حزب الله» وسائر التنظيمات المسلحة، فإنه لا يتضمن موعداً نهائياً مُلزما للانسحاب الإسرائيلي الكامل.

وتخشى بيروت من أن تتمكن إسرائيل، في غياب مثل هذا الجدول الزمني، من تحويل وجود جيشها في جنوب لبنان إلى وجود طويل الأمد وغير محدّد زمنياً.

ووفقاً لمصادر مطلعة على القضية، من المتوقع أن يقول لبنان للأميركيين والإسرائيليين إن الحكومة اللبنانية لن تستطيع مواصلة التقدم في المسار السياسي، وبالتأكيد لن تتمكن من مناقشة تعميق العلاقات أو الترتيبات المستقبلية مع إسرائيل، من دون التزام إسرائيلي أكثر وضوحاً بالانسحاب.

ولا يتبلور الموقف اللبناني في فراغ. فقد عاد رئيس الحكومة نواف سلام خلال الأيام الأخيرة ليؤكد أن الهدف من المحادثات بالنسبة إلى لبنان هو تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل من أراضيه.

وقال إن لبنان «يعرف بالضبط ماذا يريد من المفاوضات، وهو انسحاب إسرائيلي كامل»، مضيفاً أن بيروت لن تقبل باستمرار الوجود الإسرائيلي «لا في خمس نقاط ولا في نقطتين».

كما طرح سلام مطالب إضافية، من بينها الإفراج عن المعتقلين، وحل القضايا الحدودية العالقة، واستمرار دور قوات اليونيفيل حتى في حال التوصل إلى اتفاق.

وفي الوقت نفسه، يحاول سلام تثبيت هذا المسار أيضاً في الساحة الداخلية اللبنانية. فهو يشدد على أن حصر السلاح وتقليص وجوده في أيدي جهات غير تابعة للدولة هو التزام لبناني داخلي يستند إلى اتفاق الطائف وإلى قرار مجلس الأمن رقم 1701، وليس خضوعاً لضغوط خارجية.

ومن خلال ذلك، يسعى سلام إلى تقديم المسار السياسي بوصفه جزءاً من محاولة إعادة السيادة الكاملة إلى الدولة اللبنانية، وليس خطوة فُرضت عليها من الخارج.

أما في إسرائيل، فيُطرح موقف أكثر تشددا بكثير. فقد قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس أخيراً إن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان حتى لو تعرّضت لضغوط أميركية تطالبها بذلك.

وبحسب كاتس، فإن العقيدة الأمنية تفرض وجوداً عملياتياً «في جانب العدو»، بهدف حماية بلدات شمال إسرائيل انطلاقا من داخل الأراضي المعادية نفسها.

وأوضح أن الجيش لن يغادر المناطق الأمنية في جنوب لبنان ما دام حزب الله لم يُنزع سلاحه.

كما وسّع كاتس حديثه قائلا إن إسرائيل تطبق نموذجاً أمنياً مشابهاً في لبنان وسوريا وقطاع غزة، يقوم على وجود عسكري داخل مناطق عازلة، من دون عودة السكان المدنيين إليها، ومن دون السماح بوجود مسلح معادٍ.

وأضاف ان المبدأ هو «الجنود في الداخل، والمدنيون في الخارج»، معتبراً أن هذا التصور يهدف إلى منع عودة العبوات الناسفة والبنى التحتية المسلحة والهجمات ضد قوات الجيش الإسرائيلي.

كذلك وجّه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو رسالة مشابهة خلال زيارته لجنوب لبنان في نهاية يونيو، عندما قال للجنود إن إسرائيل لن تغادر الجنوب ما دام حزب الله مسلحاً ويهدد بلدات الشمال.

ويحتفظ الجيش الإسرائيلي حاليا بمنطقة عازلة يبلغ عمقها نحو عشرة كيلومترات على امتداد الحدود، وينفذ في إطارها عمليات مداهمة وهدماً للبنى التحتية، كما يمنع عودة السكان إلى مناطق معينة.

وفي المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق، يُفترض أن تنسحب إسرائيل من منطقتين تُعتبران «منطقتي اختبار» في جنوب لبنان، وأن تنقل المسؤولية عنهما إلى الجيش اللبناني.

ويُفترض أن تختبر هذه الخطوة ما إذا كان الجيش اللبناني قادراً على دخول المنطقة، ومنع عودة حزب الله، وترسيخ وجود فعّال للدولة اللبنانية.

وفي حال نجاح التجربة، فقد تتحوّل إلى نموذج لنقل مناطق إضافية في وقت لاحق.

لكن لبنان يرى أن التجارب المحدودة في مناطق معينة لا تكفي، وأن هناك حاجة منذ الآن إلى آلية سياسية واضحة تُحدد الاتجاه النهائي للعملية والموعد الذي يُفترض أن تنتهي فيه.

وهذا هو جوهر الخلاف في المحادثات: إسرائيل تريد أن يبقى الانسحاب نتيجة للتطورات الميدانية، أي أن يكون مشروطاً بنزع سلاح حزب الله وإثبات قدرة الجيش اللبناني على السيطرة على الجنوب.

أما لبنان فيريد تحويل الانسحاب إلى التزام سياسي إسرائيلي، مرتبط بجدول زمني واضح، بما يسمح لـ سلام بأن يقدم للرأي العام اللبناني إنجازاً يتمثل في استعادة السيادة، لا قبولاً باستمرار الوجود الإسرائيلي.

ومن هنا تنبع الحساسية المحيطة بالمطلب الذي يتوقع أن يطرحه لبنان في روما. ففي بيروت لا ينظرون إليه باعتباره مجرد مطالبة بتحديد تواريخ، بل محاولة لتحديد طبيعة المسار السياسي بأكمله.

ومن وجهة النظر اللبنانية، يشكل وضع جدول زمني للانسحاب شرطاً يتيح الاستمرار في بحث ترتيبات أوسع.

أما في تل أبيب، فيخشون من أن يؤدي مثل هذا الجدول الزمني إلى تقليص حرية العمل الأمني للجيش، وأن يحوّل الانسحاب إلى التزام لا يعود مرتبطاً بالوضع الميداني.

وسيحاول الأميركيون التوفيق بين الموقفين. فهم يؤيدون المطلب الإسرائيلي بنزع سلاح «حزب الله» وتعزيز الجيش اللبناني، لكنهم يدركون أنه من دون أفق حقيقي للانسحاب الإسرائيلي، سيجد سلام صعوبة في تسويق الاتفاق في بيروت باعتباره خطوة تعزز سيادة لبنان، وليس موافقة على استمرار السيطرة الإسرائيلية في الجنوب.

وفي الخلفية، تقف أيضاً معارضة «حزب الله» للمحادثات. فالتنظيم ليس جزءاً من المحادثات، لكنه الطرف الرئيسي الذي تدور حوله التسوية بكاملها.

السير بين خطين

ويحاول سلام السير بين خطين: تجنب مواجهة داخلية مباشرة مع حزب الله، وفي الوقت نفسه عدم التخلي عن المبدأ القائل إن السلاح في لبنان يجب أن يكون بيد الدولة وحدها.

ولذلك، فإن المطالبة بانسحاب إسرائيلي وفق جدول زمني متفق عليه قد تساعد سلام أيضا في مواجهة حزب الله، باعتبارها دليلاً على أن المسار السياسي يهدف إلى إعادة جنوب لبنان إلى سيطرة الدولة، وليس إلى تكريس الوجود الإسرائيلي فيه.

ومن المتوقع أن تتركز جولة روما على السؤال الذي يخيّم على الاتصالات منذ بدايتها: هل سيظل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان خطوة مستقبلية مشروطة ومتدرجة، كما تريد إسرائيل، أم سيتم تثبيته منذ الآن ضمن جدول زمني واضح، كما يتوقع أن تطالب الحكومة اللبنانية.

كاتس

من جانب آخر، رد كاتس بشدة على تصريحات إدارة ترامب في شأن أنشطة الجيش في لبنان. وأوضح أن إسرائيل لا تحتاج إلى موافقة أي طرف للعمل في المنطقة، وأن الوجود الإسرائيلي في المنطقة الأمنية يهدف إلى ضمان أمن سكان الجليل.

وأكد أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل بحزم حتى تحقيق الأهداف العملياتية كاملة، والتي تشمل نزع سلاح حزب الله والقضاء التام على التهديد.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي