حَبَس لبنان أنفاسَه مع المنطقة التي وَجَدَتْ نفسَها مجدداً على حافة انفجارٍ بدأتْ طلائعُه مع محاولة طهران تكريس «عَسْكرة» مضيق هرمز و«إمرتِها» عليه، لتردّ واشنطن بضرباتٍ داخل إيران ثم بالإجراءاتِ العقابية والتلويح بأن «مذكرة التفاهم معها انتهتْ».
ويُعتبر لبنان الحلقةَ الأكثر تأثُّراً وانكشافاً على مآلاتِ جبهة إيران هو الذي كان زُجَّ في حربٍ جديدة مع اسرائيل في 2 مارس الماضي «ثأراً» للمرشد علي خامنئي وإسناداً للجمهورية الإسلامية، قبل أن تستوجب ديناميةُ المفاوضات الأميركية مع طهران «إكراهَ» اسرائيل على خَفْضَ التصعيدِ في «بلاد الأرز» وإطلاقَ طاولةِ التفاوض اللبناني - الاسرائيلي المباشر في العاصمة الأميركية لقطْع الأوعية المتصلة بين المساريْن المتزامنيْن، وصولاً لإدراج وَقْفِ النار في لبنان في البند الأول من مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية التي باتت جولة المحادثات الجديدة في كنفها (11 الجاري) في مهب «الرياح الساخنة» التي هبّتْ من مضيق هرمز وكأنه رأس جبل جليد خلافاتٍ عميقةٍ مازالت تعترض بلوغ اتفاقٍ نهائي.
وعلى وهج قَرْعِ الرئيس دونالد ترامب، على هامش قمة «الناتو» في أنقرة، الأربعاء، طبول الحرب مجدّداً مع طهران «وقد نضربها الليلة» بالتوازي مع تلويحه بمعاودة فرض الحصار البحري وربما «السيطرة على جزيرة خرج»، بدا من الصعب في بيروت تحديدُ اتجاهات الريح على جبهة إيران، وهل انتهت فعلاً مذكّرة التفاهم وتالياً هل المواجهة العسكرية الشاملة ستعود أم أن واشنطن قد تَستبدل «النار» بالحرب الاقتصادية «الخانقة» للنظام الإيراني، أم أن الأمر مازال في سياقِ رفْع السقوف لدفع «الجمهورية الإسلامية» للالتزام بشروط الولايات المتحدة على الطاولة.
ووسط خشيةٍ في بيروت من أن أيّ معاودةٍ لفتْح جبهةِ إيران سيَعْني تكرار سيناريو 2 مارس وما بعده وانخراط «حزب الله» في المواجهة، وهذه المرة بهدفٍ إضافي هو «حَرْقُ» مسار واشنطن التفاوضي بين لبنان واسرائيل التي تتحيّن مثل هذه الفرصة لخلْع قناعِ «ضبط النفس» الذي أُلزمت على وضْعه بضغط من ترامب، فإن هذا الأمر يَضَعَ جولة مفاوضات بيروت - تل أبيب الجديدة بعد أسبوعٍ في روما في مرمى:
- سباقٍ مع التطورات المتدحرجة على «المسرح الأمّ» والتي لن يكون في منأى عنها بِحُكْم «وحدة الحال» بين حزب الله وإيران.
- وتَحدياتٍ أكبر لجهة محاولةِ إحداث خرْق إيجابي على صعيد إطلاق المسار التنفيذي لـ «الصيغة الإطار» التي وُقّعت في العاصمة الأميركية قبل 13 يوماً بدءاً من انسحاب اسرائيل من منطقتين تجريبيتين في الجنوب، واحدة محتلة والثانية غير محتلّة، تمهيداً لدخولهما من الجيش اللبناني وتطهيرهما من أي بنية عسكرية لـ «حزب الله» والتحقق من ذلك بإشراف أميركي، من ضمن مسار تدريجي يقوم على معادلة «الانسحابِ وسَحْبِ السلاح من كل لبنان».
مفاوضات روما
وفيما ضمّت وكالة سلامة الطيران الأوروبية لبنان الى المجالات الجوية التي دعت شركات الطيران إلى تجنبها (مع المجالين الإيراني والعراقي) «بسبب التوترات»، لم يكن عابراً ما أبلغه مصدر دبلوماسي لـ «فرانس برس» من أن بيروت وتطبيقاً لمضمون «الإطار» الذي وُقّع في واشنطن «تشترط انسحاب إسرائيل من منطقتين تجريبيتين للمشاركة بمفاوضات روما» التي أَعلنت إيطاليا وإسرائيل أنها ستُعقد في 15 و16 الجاري، ولم يعلن لبنان موقفَه الرسمي منها.
وجاء هذا الشرط وسط تقارير تحدّثت عن أنّ لبنان عاد وقَبِل بحضور مفاوضات روما بعدما تبدّدتْ هواجسه وضَمَنَ حضور الجانب الأميركي جولة المباحثات ورعايتها، ما يعني أنها لن تكون ثنائية بينه وبين إسرائيل فقط بل ثلاثية برعاية واشنطن، وأن «بلاد الأرز» ستتمثل بالسفيرة لدى واشنطن ندى معوّض، والسفير السابق سيمون كرم، اللذين أدارا المفاوضات في العاصمة الأميركية.
بدوره، قال مصدر لبناني لقناة «الحدث» إن «هناك ضغوطاً أميركية كبيرة على لبنان كي يذهب إلى جولة المفاوضات في روما»، مشيراً الى «أن مفاوضاتٍ أميركية - لبنانية تتركز حالياً على شروط مطلوبة من بيروت».
وترافق ذلك، مع مواقف من الملف اللبناني أطلقها الرئيس دونالد ترامب خلال لقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في انقرة، حيث كرّر أن سوريا «يمكنها أن تساعدنا بموضوع حزب الله ولبنان»، قبل ان يقول رداً على سؤال حول «هل تعتقد أنه ينبغي على إسرائيل سحب قواتها من جنوب لبنان؟حسناً، لقد تحدثتُ مع بيبي (بنيامين نتنياهو) في شأن ذلك. أعتقد أنهم يريدون ذلك. ولا أعتقد أن هذا موضع شك. إنهم يريدون ذلك، وهم على وفاق مع لبنان، ويعقدون اتفاقات مع لبنان، للمرة الأولى على الإطلاق».
وأكمل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى ملف لبنان مباشرة، كلام ترامب، قائلاً «نعم، لدينا اتفاق وهذا هو الهدف في النهاية. بالطبع، إسرائيل قلقة بشأن أمنها، لكن الرئيس ترامب، قام بعمل رائع في تقريب هذين البلدين للمرة الأولى، إنه أمر كبير، للمرة الأولى منذ سنوات عديدة، أليس كذلك؟ لذا لدينا اتفاق بين إسرائيل ولبنان، ونعم، سيغادرون، وأعتقد أن الأمر سينجح بشكل جيد للغاية».
ويستعدّ ترامب، لاستقبال الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون، في 21 الجاري، حيث وجّه البيت الأبيض دعوةً رسمية إليه، وفق ما أعلنت سفارة لبنان في واشنطن في بيانٍ لها أكد«أن هذه الدعوة تعكس متانة الشراكة القائمة بين البلدين، وتتيح فرصة للزعيمين لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك العلاقات الثنائية، والأمن الإقليمي، واستمرار الدعم الأميركي لسيادة لبنان واستقراره ووحدة أراضيه ومؤسساته الرسمية».
وأشار البيان إلى أن «هذه الزيارة تأتي عقب فترة مكثفة من الجهود الدبلوماسية التي اضطلعت بها سفارة لبنان في واشنطن، بالتنسيق الوثيق مع رئاسة الجمهورية اللبنانية وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية. وخلال هذه المرحلة، عملت السفارة على تعزيز الحوار الثنائي على أعلى المستويات، وتسهيل الترتيبات التي أفضت إلى هذه الزيارة الرسمية».
وأكدت السفارة أنها «تنسّق جميع جوانب زيارة عون، بالتعاون الوثيق مع رئاسة الجمهورية والبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية لضمان نجاح اللقاء الثنائي».
إيجابيات للبنان
في موازاة ذلك، أعلن عون، أنه يتوقّع أن تحمل زيارته المرتقبة لواشنطن ولقاءه مع ترامب «إيجابيات للبنان، لأنها تترجم الاهتمام الأميركي غير المسبوق بلبنان، ودعم الولايات المتحدة لمسارِ إيجاد حلّ دائم لسلسلة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على بلدنا، وتحقيق الاستقرار في كامل منطقة الشرق الأوسط».
ومضى أمام زواره في الدفاع عن خيار التفاوض مع إسرائيل بوجه حملة «حزب الله» التصاعدية ضدّه، معلناً «اخترتُ المفاوضات لأنه لا يمكنني أن أقف متفرجاً على وطني وهو يُقاد الى الهاوية خدمة لمصالح بلد آخَر، وكان عليَّ أن أقوم بخطوة بإمكانها وقف آلة الدمار والابادة الإسرائيلية، والحدّ من الخسائر في الأرواح والقرى، وإزالة الاحتلال في نهاية المطاف وهذه الخطوة هي المفاوضات».
وأضاف «هذه الخطوة تلقى دعم غالبية اللبنانيين وبينهم من الطائفة الشيعية، التي دفعت الثمن الأكبر للحروب في الجنوب. ونحن مستمرون في القرار الذي اتخذناه».
وكان عون، التقى رئيس الوزراء نواف سلام، الذي يستعدّ لزيارة تركيا وعرض معه الأوضاع العامة والتطورات في الجنوب «حيث تم التركيز على ضرورة تثبيت وقف النار والإسراع في بدء الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية».
كما تناول البحث «الاستعدادات التي تقوم بها الحكومة لتأمين ما يلزم من فتح طرق وازالة الردم والعمل على تأهيل البنى التحتية لتسهيل عودة السكان إلى المناطق المتضررة التي يمكن العودة إليها حالياً، وبعد الانسحاب الإسرائيلي منها».