شهدت مكملات زيت السمك في العقود الأخيرة صعوداً استثنائياً لتصبح واحدة من أكثر المنتجات الغذائية استهلاكاً في العالم، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج العربي.
ويقبل الملايين على تناول كبسولات زيت السمك يومياً انطلاقاً من اعتقاد راسخ بأن غناها بأحماض أوميغا-3 الدهنية يحمي من أمراض القلب ويعزز وظائف الدماغ ويكافح الالتهابات. لكن مراجعة علمية موسعة نُشرت في مطلع يوليو من العام 2026 أعادت فتح ملف هذه المكملات الشعبية لتسليط ضوء نقدي صارم على ما هو مثبت علمياً مقابل ما هو مجرد ادعاء تسويقي.
واعتمدت المراجعة التي نشرتها منصة «وايرد» العلمية على تحليل عشرات الدراسات السريرية والتجارب العشوائية المضبوطة التي أُجريت على مدى العقدين الماضيين. واستندت إلى تقارير صادرة عن هيئات علمية مرموقة مثل «المعاهد الوطنية للصحة» في الولايات المتحدة و«هيئة الخدمات الصحية الوطنية» في بريطانيا. وخلصت إلى أن الفجوة بين التصورات الشعبية والأدلة العلمية الموثوقة أوسع مما يتوقعه معظم المستهلكين.
وأظهرت البيانات المستخلصة من التجارب العشوائية أن أقوى دليل علمي متاح يدعم استخدام مكملات زيت السمك في خفض مستويات الدهون الثلاثية في الدم. ويُعد هذا التأثير ثابتاً ومتسقاً عبر دراسات متعددة، وهو ما دفع هيئات تنظيمية مثل «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» إلى اعتماد تركيبات محددة من زيت السمك بوصفة طبية لعلاج ارتفاع الدهون الثلاثية الحاد.
بيد أن الباحثين شددوا على أن الجرعات المطلوبة لتحقيق هذا التأثير الملموس غالباً ما تكون أعلى بكثير من تلك المتوفرة في الكبسولات التجارية التي تُباع دون وصفة طبية.
وعلى النقيض من ذلك، لم تتمكن التجارب العشوائية الكبرى التي شملت عشرات الآلاف من المشاركين من إثبات أي فائدة وقائية لمكملات زيت السمك في الحد من النوبات القلبية أو السكتات الدماغية لدى عامة السكان.
وأوضح الباحثون أن الدراسات التي أظهرت فوائد وقائية اعتمدت في معظمها على الملاحظة والاستبيانات الغذائية، وهي منهجية أقل موثوقية من التجارب المضبوطة لأنها لا تستطيع استبعاد تأثير العوامل المصاحبة مثل نمط الحياة الصحي العام.
أما في ما يتعلق بالادعاءات الشائعة حول تعزيز صحة الدماغ والوقاية من الخرف وتحسين المزاج، فقد وجدت المراجعة أن الأدلة ضعيفة أو متضاربة.
وأفادت تحليلات مجمعة نُشرت في العام 2025 بأن مكملات أحماض «أوميغا 3» الدهنية لم تُظهر تأثيراً ملموساً في تأخير التدهور المعرفي أو تحسين الأداء الذهني لدى البالغين الأصحاء. ولم تستثنِ المراجعة بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة في سياقات سريرية ضيقة، مثل تخفيف أعراض التهاب المفاصل الروماتويدي أو دعم صحة العين لدى المصابين باعتلال الشبكية، لكنها أكدت أن هذه الفوائد لا ترقى إلى مستوى التعميم على جميع المستهلكين.
في هذا السياق، قدمت المراجعة جملة من الإرشادات العملية التي يمكن إيجازها في النقاط التالية:
• يُنصح بعدم تناول مكملات زيت السمك من تلقاء الذات بهدف الوقاية من أمراض القلب أو تحسين وظائف الدماغ لدى الأفراد الأصحاء، والاقتصار على استخدامها تحت إشراف طبي لعلاج حالات محددة ومشخصة مثل فرط الدهون الثلاثية الحاد.
• ينبغي للمستهلكين التدقيق في بطاقة المكونات والتأكد من تركيز أحماض «إيكوسابنتاينويك» و«دوكوساهيكسانويك» الفعّالة، لا مجرد المحتوى الإجمالي من زيت السمك، حيث تتفاوت الجودة والنقاوة بشكل واسع بين المنتجات التجارية المتاحة في الأسواق.
• تعزيز استهلاك الأسماك الدهنية الطازجة مرتين أسبوعياً يُعد استراتيجية غذائية متفوقة على المكملات، إذ توفر الأسماك الكاملة حزمة متكاملة من المغذيات تشمل البروتين عالي القيمة الحيوية وعناصر السيلينيوم واليود وفيتامين «D» إلى جانب الأحماض الدهنية الأساسية، في صورة طبيعية متآزرة يصعب تقليدها في المختبر.
وشدد الخبراء على أن الجودة والقدرة على الامتصاص تمثلان تحدياً كبيراً في صناعة المكملات عموماً، إذ إن سوقاً عالمية تقدر قيمتها بأكثر من 36 مليار دولار تعاني من ضعف الرقابة وتفاوت المعايير بين الشركات المنتجة. وفي غياب معايير تصنيع موحدة وإلزامية في معظم الأسواق، يبقى المستهلك عرضة لمنتجات متأكسدة أو مغشوشة أو منخفضة الفعالية البيولوجية، مما يزيد من فجوة الثقة بين المكمّل الغذائي كوعد تسويقي والمكمّل كأداة علاجية مثبتة.
والخلاصة هي أن مكملات زيت السمك ليست الحل السحري الذي صُورت عليه في العقود الماضية، وإنما هي أداة علاجية محدودة المدى ومحددة الاستطبابات.
ويظل النمط الغذائي المتوازن الغني بالمصادر الطبيعية للأحماض الدهنية الأساسية، والمقترن بنمط حياة نشط ومتابعة طبية دورية، هو الرهان الأكثر أماناً وفعالية على المدى الطويل.