في مشهد يكشف عن أبعاد الصراع بين المصالح الشخصية لرئيس الحكومة الإسرائيلية ومستقبل أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، تواصل حكومة بنيامين نتنياهو تعطيل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في مرحلتيه الأولى والثانية، في انتظار عودته من لقائه السابع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، واستعداداً للانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه الفلسطينيون في غزة شتاءً رابعاً في خيامهم الغارقة بالمياه، يواصل نتنياهو لعبة الانتظار، مراهناً على تحولات سياسية قد تمنحه الغطاء اللازم لتحقيق وعوده لوزيريه المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش: تهجير أهل غزة، والاستيطان في القطاع، ورفض أي انسحاب إسرائيلي.
تعطيل متعمّد ومدروس
وكشف تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» بقلم الكاتبة ليزا روزوفسكي، عن تعطيل متعمّد ومدروس من قبل الحكومة لمحاولات مجلس السلام لإنشاء ملاجئ إنسانية في رفح.
وكتبت في تقريرها ان «العقبة المشتركة أمام هذه المسارات المحتملة هي الحكومة الإسرائيلية، التي لا تسمح حتى الآن بإحراز أي تقدم في أي مسار من مسارات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة».
وأشار التقرير إلى أن آريه لايتستون، ممثل الحكومة لشؤون غزة والمستشار البارز في مجلس السلام، وجّه رسالة إلى نتنياهو قبل أسبوعين تتضمن طلبات لتقديم تنازلات إنسانية، من بينها:
- السماح بدخول قوة الاستقرار الدولية إلى رفح.
- السماح بدخول اللجنة الفنية لإدارة قطاع غزة برئاسة علي شعث.
وأوضحت روزوفسكي أن نتنياهو رفض بشدة واستشاط غضباً، وواصل عرقلة هذه الخطوات، حيث يشترط الجيش التوقيع على اتفاق وضع القوات الإسرائيلية مع قوة حفظ السلام الدولية، وهو شرط أساسي لانتشارها، ولم يتم التوقيع عليه بعد.
وتؤكد المصادر أن القوة التي تضم 500 جندي لاتزال تنتظر في معسكر «عميتاي» الإسرائيلي القريب من القطاع، من دون أن تتمكن من التحرك.
إبقاء الحرب تحت السيطرة
تشير روزوفسكي إلى أن الحكومة تواصل سياسة الاغتيالات التي تحصد أرواح الأبرياء في المخيمات ومراكز الإيواء، وتكرر التصريحات حول السيطرة على مناطق في القطاع، مما يعكس سعيها لإبقاء الحرب في غزة تحت السيطرة.
ويقول المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل، حول سياسة الحكومة في غزة: «تعتمد حالياً على أمل واحد في انهيار المساعي الأميركية الرامية إلى فرض واقع أمني وسياسي جديد في غزة خلال الأشهر القادمة، وعندها، قد يُعطي الرئيس ترامب ضوءاً أخضر لنتنياهو لمحاولة استعادة السيطرة على القطاع».
أما المحلل ناحوم بارنياع من صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فيذهب أبعد من ذلك:
«يأمل نتنياهو حدوث انفجار بألا تسلم حماس أسلحتها طوعاً، وأن يفي ترامب بالتزامه ويمنح إسرائيل ضوءاً أخضر لاستئناف القتال. سيحتل الجيش الإسرائيلي قطاع غزة ويبقى فيه».
مشروع «الملاجئ الإنسانية»
وكشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن خطة تبدأ خلال أسابيع، تقضي بتجميع الفلسطينيين في مناطق وُصفت بـ«الملاجئ الإنسانية» جنوب القطاع، خارج سيطرة "حماس"، تحت حراسة قوة متعددة الجنسية، بالتزامن مع توسيع الجيش سيطرته على بقية مناطق القطاع.
وبموجب الخطة، سيتم نقل المدنيين إلى مناطق خاضعة للرقابة والتفتيش مقابل الحصول على المساعدات، فيما يواصل الجيش عملياته العسكرية في باقي أنحاء غزة. ومن المقرر أن تكون منطقة «تل السلطان» قرب رفح هي الوجهة الأولى.
وأوضحت الصحيفة ان هذا الجهد وُصف بأنه «حركة كماشة»: «الجيش يسيطر على مزيد من الأراضي بينما يتم سحب السكان إلى المناطق الخاضعة للسيطرة، على أمل ترك حماس من دون سكان، أو أراضٍ، أو موارد».
وأشارت إلى أن المناطق ستستقبل قاطرات ومعونات، لكن ليس الإسمنت اللازم لإعادة إعمار غزة فعلياً.
وقال مصدر سياسي إسرائيلي للصحيفة، إن «الجيش سيواصل وتيرة الاغتيالات المستهدفة مع البقاء تحت عتبة الانتقاد الدولي... ما دامت حماس غير مستعدة لنزع سلاحها».
نزع سلاح «حماس»
1 - التفاؤل بمرونة حماس
تشير روزوفسكي في تقريرها إلى أن مصر، التي تقود عملية الوساطة، أبدت قدرتها على إقناع «حماس» بالموافقة على نزع سلاحها بالتدريج:
وقالت مصادر للصحيفة إن الحركة والوسطاء توصلوا إلى تفاهمات حول 13 بنداً من أصل 15 في وثيقة الإطار التي تم تقديمها في أبريل، مع بقاء خلاف حول بندين أساسيين:
- مسألة نزع السلاح.
- دمج المسؤولين وضباط الشرطة الذين خدموا تحت حماس في النظام الحاكم الجديد في القطاع، والتعويضات التي ستدفع للذين لن يتم توظيفهم.
2 - تسليم السلاح لقوة فلسطينية شرعية
في المقابل، يؤكد الموقف المهني والاستخباري أن حماس تدرك جيداً أن تسليم السلاح للجانب الإسرائيلي أو الأميركي يمثل انتحاراً جماعياً، وفق تعبير المحللين.
فقد صرّح القيادي طاهر النونو سابقاً بأن «سلاح المقاومة خط أحمر وليس مطروحاً للتفاوض»، مضيفاً أن «بقاء سلاح المقاومة مرتبط بوجود الاحتلال».
وقال إن الحركة أبلغت مصر أن «المدخل لأي اتفاق هو وقف الحرب والانسحاب وليس السلاح، لأن نقاش مسألة سلاح المقاومة مرفوض جملة وتفصيلاً».
لكن مصادر تفيد بأن «حماس» أبدت استعداداً لتسليم سلاحها إلى قوة فلسطينية شرعية يتم الاتفاق عليها، وهو موقف مفهوم ومبرّر ويمكن العمل عليه، بحسب الجانب المصري والتركي والقطري.
3 - التضخيم الإسرائيلي لقدرات «حماس»
تشير التقديرات الإسرائيلية، التي نشرتها وسائل إعلام عبرية، إلى أن «حماس» لاتزال تمتلك نحو 27 ألف مقاتل، وآلاف الصواريخ والعبوات الناسفة والطائرات المسيرة، وشبكات أنفاق ومنظومات قيادة وسيطرة.
كما أوردت التقارير أن «حماس لاتزال تحكم سيطرتها على القطاع، رغم اغتيال قيادتها العسكرية».
في المقابل، اعتبرت الحركة هذا التضخيم محاولة لتبرير الجرائم اليومية بحق الشعب الفلسطيني في القطاع المحاصر.
بيرغمان يكشف أكاذيب نتنياهو
في مقال بصحيفة «يديعوت أحرونوت»، يكشف الكاتب والمحلل رونين بيرغمان تناقضات تصريحات نتنياهو، ويصفها بأنها «ذرة صغيرة من الحقيقة مُغلّفة بطبقة سميكة من الأنانية؛ الأكاذيب والتشويهات».
ويورد أمثلة على الأكاذيب منها:
- الكذبة الذرية: ادعاء أن إيران كانت تمتلك قنابل ذرية، وهو ما يناقض تقديرات الاستخبارات العسكرية.
- كذبة «دمرناها لكنها باقية»: ادعاء تدمير قدرات إيران وحزب الله مع الاعتراف بوجود ما يتبقى منها.
- كذبة السببية: ادعاء أن احتلال رفح هو الذي أدى إلى إطلاق الرهائن، بينما كان الضغط الأميركي هو العامل الحاسم بالتعاون مع مصر وقطر والاتفاق مع «حماس».
ويكشف بيرغمان أن الناطق باسم الجيش رفض الإجابة عن أسئلة بشأن صحة تصريحات نتنياهو، مما يشير إلى وجود فجوة بين الخطاب السياسي والحقيقة الميدانية.
غزة في ظل التعطيل
تشير المصادر إلى أن فرصة تحقيق انعطافة في غزة تبدو ضئيلة حتى موعد انتخابات أكتوبر. وتتوقع القناة 12 أن يعلن مجلس السلام، في غضون شهرين إلى ثلاثة أشهر، أن «حماس» تنتهك الاتفاق لأنها لاتزال تحتفظ بسلاحها، مما قد يمنح إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب.
في المقابل، يسعى مجلس السلام إلى تحقيق أي إنجاز ملموس، لكنه يواجه العراقيل الإسرائيلية المستمرة، في انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية وقبلها نتائج اجتماع نتنياهو مع ترامب، فيما يبقى الشعب الفلسطيني في غزة يدفع الثمن.