إستراتيجية إسرائيل في مفترق طرق إقليمي
- هل تستطيع إسرائيل تحديد مصيرها الإستراتيجي أم أنها أصبحت رهينة لتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز قدرتها على التحكم بها؟
- تظل المنطقة رهاناً مفتوحاً على تداخل القوة والسياسة والإرادات المتضاربة
يقف المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط على أعتاب منعطف إستراتيجي بالغ الدقة، تتلاقى فيه حسابات القوة مع مراهنات الدبلوماسية، وتتصارع فيه الأولويات الإقليمية مع الضغوط الداخلية. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، يبرز اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليس كمجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل كاختبار حقيقي لقدرة إسرائيل على إعادة تعريف موقعها في معادلة إقليمية تشهد تحولات جذرية.
فبينما تنخرط واشنطن في مفاوضات مع طهران تطمح من خلالها إلى إعادة رسم قواعد اللعبة النووية، تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى الموازنة بين ضرورة الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، ومتطلبات التكيف مع متغيرات ميدانية في لبنان وغزة وسوريا، وسط استحقاق انتخابي داخلي يضفي على كل خطوة سياسية بُعداً آخر من التعقيد.
أولاً: الرهانات الإسرائيلية في مواجهة التحولات الإقليمية
1 - معادلة التنازلات المتبادلة
في تحليل نشره المحلل آفي أشكنازي، في صحيفة «معاريف»، ترى إسرائيل أن الطريق إلى استهداف القدرات النووية الإيرانية يمر عبر بوابة تنازلات إستراتيجية متعددة الأوجه، تشمل:
- تقديم تنازلات في غزة، بما قد يفضي إلى ترتيبات جديدة تمنح حركة حماس مساحة من التهدئة مقابل تثبيت وقف إطلاق النار.
- إجراء ترتيبات في سوريا، تهدف إلى تجميد التهديدات المباشرة ومنع تمركز إيراني متقدم على الحدود الشمالية.
- مناورة حذرة وذكية في لبنان، لتفكيك قدرات «حزب الله» من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد إنتاج معادلات 2006، بل وقد تكون أكثر تدميراً.
يضاف إلى ذلك، ما أشار إليه المحلل عيتامار أيخنر، في «يديعوت أحرونوت» من أن حصول نتنياهو، على الضوء الأخضر الأميركي لشن هجوم جديد، في حال تحقق، سيشكل في الأوساط الإسرائيلية «إنجازاً إستراتيجياً كبيراً»، يعد بمثابة بطاقة ثقة أميركية في السياسة الإسرائيلية تجاه الملف الإيراني.
2 - الفجوة بين الطموح العسكري والإنجاز الإستراتيجي
يقدم ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان - جامعة تل أبيب، قراءة نقدية للوضع الراهن، واصفاً إياه بأنه «حرب مفتوحة» مستمرة، رغم توقف القتال العنيف على الجبهات الرئيسية الثلاث (إيران، لبنان، وغزة).
ويشير إلى استمرار الفجوة بين الإنجازات العسكرية التي تحققت على المستوى العملياتي، وبين الأهداف الإستراتيجية الكبرى التي تم التعهد بها، وعلى رأسها «القضاء على الأعداء» و«إقامة شرق أوسط جديدة».
فالميدان، برؤيته، يظل أكثر تعقيداً مما تسمح به الخطابات الانتصارية، والتحولات السياسية تفرض واقعاً لا يمكن اختزاله في معادلات القوة وحدها.
ثانياً: التحديات الداخلية الإسرائيلية... بين السياسة والحقيقة
1 - أزمة المصداقية وتسريب الوثائق
في سياق متصل، تبرز المحللة إيريس ليعال، في صحيفة «هآرتس» أزمة داخلية تتعلق بنمط إدارة الحقيقة، إذ تشير إلى أن عائلة نتنياهو، باتت «مهووسة بتزييف الحقيقة من أجل تشكيل الواقع».
وتستشهد بقضية تسريب الوثائق السرية لصحيفة «بيلد» الألمانية، حيث تم تقديم وثيقة استخباراتية مزورة بهدف التأثير على الرأي العام والإضرار بالنضال لتحرير المختطفين، وإقناع الجمهور بمعارضة أي صفقة تبادل.
تعكس هذه الوقائع أزمة ثقة متنامية بين النخبة السياسية والمؤسسة الأمنية، وتثير تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الممارسات على قدرة القيادة الإسرائيلية على إدارة ملفات مصيرية بحساسية وموضوعية.
2 - الانعكاسات الانتخابية والاستقطاب الداخلي
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر 2026، يتحول كل تحرك سياسي إلى ورقة انتخابية بامتياز. ويبدو أن نتنياهو، الذي تشير استطلاعات الرأي إلى تخلفه عن منافسيه، يراهن على هذا اللقاء لإعادة تموضع نفسه كزعيم لا يمكن تجاوزه في الملفات الأمنية، متسلحاً بعلاقته التاريخية مع ترامب، وبرؤيته الأمنية الحازمة.
ثالثاً: مستقبل العلاقة مع واشنطن ... بين التوازن الإستراتيجي والمناورة السياسية
يحذر المحللون الإسرائيليون من مغبة الانزلاق إلى دوامة ضارة من خلال شن عمليات عسكرية كبيرة من دون موافقة أميركية، داعين إلى ضرورة العودة إلى التوازن الإستراتيجي، والذي يقوم على:
- تحديد أهداف قابلة للتحقيق، لا تضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الإرادة الأميركية.
- تجنب خلق المزيد من الأعداء في محيط إقليمي يعج بالتوترات والتحالفات المتغيرة.
- التخلي عن الأوهام الإستراتيجية، مثل خطة الهجرة الطوعية من غزة، التي تبقى في خانة الطروحات غير القابلة للتطبيق على الأرض.
- تخفيف التوتر مع الحلفاء، وعلى رأسهم واشنطن، التي تظل الشريك الأهم لإسرائيل في المنطقة.
في هذا السياق، يمثل اللقاء المرتقب بين نتنياهو وترامب، منعطفاً حاسماً في العلاقات الإسرائيلية - الأميركية، في ظل تحديات أمنية وسياسية كبرى، حيث تسعى إسرائيل لتحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على مصالحها الأمنية، وفي مقدمتها منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتفكيك قدرات «حزب الله»، وبين عدم إغضاب الإدارة الأميركية التي تبدو مصممة على المضي قدماً في تفاهماتها مع طهران.
رابعاً: توقيت اللقاء وخلفياته
1 - ترتيبات اللقاء
وفقاً لمصادر متطابقة، أجرى نتنياهو، اتصالاً هاتفياً مع ترامب، يوم الجمعة الماضي، هنأه خلاله بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، واتفقا على عقد لقاء في واشنطن في المستقبل القريب. ورغم عدم صدور أي تحديد رسمي للموعد أو المكان من مكتب رئيس الوزراء، تشير مصادر إسرائيلية وأميركية إلى أن اللقاء قد يعقد في الأسبوع التالي لقمة «الناتو» المقررة في 7 - 8 يوليو في تركيا.
2 - مقاربة ترامب... رسائل القوة والنفوذ
وفي تصريح لموقع «أكسيوس»، قال ترامب: «نتنياهو طلب عقد الاجتماع، نحن نتفاهم بشكل جيد جداً. يعرف من هو الرئيس».
تحمل هذه الكلمات، في طياتها، أكثر من مجرد تأكيد على تفاهم شخصي؛ إذ تشير بوضوح إلى محاولة الرئيس الأميركي تثبيت موقعه كطرف أقوى في العلاقة الثنائية، في إشارة غير خافية إلى وجود توترات وتباينات بين الجانبين.
هذا التصريح يلقي الضوء على ديناميكية القوة في العلاقة، حيث تبدو واشنطن مصرة على لعب دور المحرك الرئيسي للأجندة الإقليمية.
3 - جذور التوتر
كشفت تقارير «أكسيوس» أن العلاقة بين ترامب، ونتنياهو، شهدت توتراً متزايداً في الأشهر الأخيرة، حيث أصبح مستشارو ترامب، المقربون متشككين في رئيس الوزراء بعد لقائهما في فبراير الماضي في غرفة العمليات بالبيت الأبيض. ونقلت مصادر أميركية عن أحد المستشارين «كثير من أقرب مستشاري ترامب، يعتقدون أن بيبي كان مخطئاً في كل شيء». ويعكس هذا التقييم تحولاً في المزاج الأميركي تجاه القيادة الإسرائيلية الحالية.
خامساً: الموقف الإسرائيلي من المفاوضات الأميركية - الإيرانية... بين القلق والاستعداد
1 - التحديات الإستراتيجية
يشكل الملف النووي الإيراني محوراً أساسياً في استعدادات إسرائيل للقاء المرتقب. في هذا السياق، أشار المحلل آفي أشكنازي، في «معاريف» إلى أن الولايات المتحدة ستصر على تفكيك البرنامج النووي الإيراني والتخلص من اليورانيوم المخصب، بينما تطالب إسرائيل بفرض قيود إضافية على البرنامج الباليستي الإيراني، معتبرة أن التهديد لا يقتصر على السلاح النووي وحده، بل يمتد إلى قدرات إيران الصاروخية وتكنولوجيا التسليح المتقدمة.
في المقابل، تسعى إيران للحفاظ على نفوذها الإستراتيجي في مضيق هرمز، وإعادة تأهيل وكلائها في لبنان وغزة واليمن وسوريا والعراق، ما يضع إسرائيل أمام تحدٍ مزدوج: تهديد نووي محتمل، وشبكة وكلاء إقليمية تحاصرها من كل الاتجاهات.
2 - الخوف من الاتفاق «فوق الرأس»
أعرب محللون إسرائيليون عن قلق عميق من أن الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة قد تم إبرامه «فوق رأس إسرائيل»، معتبرين أنه يمنح إيران موقعاً أقوى في تحديد مسار الأحداث الإقليمية.
وفي قراءة أكثر حدة، كتب بن كاسبيت، في «معاريف» وصفاً قاسياً لنتنياهو، معتبراً إياه «أكثر رئيس وزراء إسرائيلي جباناً طوال فترة ولايته»، ومتهماً إياه بقيادة إسرائيل نحو الدمار وبدء سلسلة من الحروب التي لا تنتهي، بهدف تغيير خريطة الشرق الأوسط.
هذه الانتقادات الداخلية، رغم حدتها، تعكس حالة من الإحباط والقلق إزاء مستقبل الإستراتيجية الإسرائيلية في ظل التحولات الأميركية.
3 - الموقف من الحل الدبلوماسي
شدد المحللون الإسرائيليون على ضرورة:
- عدم السماح لـ «حزب الله» بالعودة للوقوف على قدميه بعد الضربات التي تلقاها.
- عدم السماح لإيران بالعودة إلى لبنان، سواء عبر التسليح أو النفوذ السياسي.
- العمل مع الولايات المتحدة لتعزيز حكومة لبنان كبديل عن النفوذ الإيراني.
وهناك تباين في التقديرات الإسرائيلية حول مدى قدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات، في ظل إصرار الأميركيين على تفكيك البرنامج النووي، وإصرار الإيرانيين على الحفاظ على قدراتهم ونفوذهم الإقليمي.
هذا التباين يضع إسرائيل أمام تحديين متوازيين: كيفية التعامل مع اتفاق محتمل، وكيفية إدارة الموقف إذا تعثرت المفاوضات.
سادساً: الاتفاق الإطاري... خطوة أولى في رحلة شائكة
1 - مضمون الاتفاق
في 26 يونيو 2026، وقّعت إسرائيل ولبنان اتفاقاً إطارياً برعاية أميركية في واشنطن، وقعته سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى معوض، ونظيرها الإسرائيلي يخئيل لايتر، بحضور وزير الخارجية الأمبركي ماركو روبيو. وينص الاتفاق على بنود رئيسية عدة:
- اعتراف كل دولة بحق الأخرى في العيش بسلام، وهو بند يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الشكلي.
- التزام لبنان نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، وعلى رأسها «حزب الله»، وهي نقطة تمثل لب التحدي في الاتفاق.
- انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، مقابل نشر الجيش اللبناني في «مناطق نموذجية».
الأهداف الإسرائيلية من اللقاء
تسعى إسرائيل من خلال هذا اللقاء إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتداخلة، يمكن تصنيفها كالتالي:
- الحصول على ضوء أخضر أميركي: أشار المحللون إلى أن نتنياهو، يبحث عن موافقة ترامب، لشن عمليات عسكرية جديدة، خاصة ضد إيران ولبنان، معتبراً أن الغطاء الأميركي شرط أساسي لأي تحرك هجومي واسع النطاق.
- تأمين التفوق العسكري النوعي: في ما يتعلق ببرنامج إيران الباليستي ومنع إعادة تسليح «حزب الله»، وتسعى إسرائيل إلى الحصول على التزامات أميركية واضحة بمواصلة دعم تفوقها العسكري، خاصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة والاستخبارات.
المناورة الانتخابية: يمثل اللقاء قيمة سياسية كبيرة لنتنياهو قبل الانتخابات، حيث تسوّق له كدليل على قدرته على الحفاظ على العلاقة الإستراتيجية مع واشنطن رغم التحديات، وعلى مكانته كزعيم لا يمكن تجاوزه في الملفات الأمنية.
وتظهر استطلاعات الرأي أنه مازال متخلفاً عن منافسيه، ما يزيد من أهمية هذا اللقاء في تغيير المعادلة الداخلية.
معالجة الخلافات: محاولة تضييق الفجوات مع الإدارة الأميركية بشأن إيران ولبنان والملفات الأمنية الإقليمية، وتقديم رؤية إسرائيلية بديلة أو مكملة للرؤية الأميركية، ضمن حدود المسموح به.
نحو اختبار حاسم للإستراتيجية الإسرائيلية
في المشهد المعقد الذي تتقاطع فيه الحسابات الإستراتيجية مع المناورات الانتخابية، وتتداخل فيه الأولويات الأمنية مع الضغوط الدبلوماسية، يبرز اللقاء المرتقب بين نتنياهو وترامب، كاختبار حقيقي لمدى قدرة إسرائيل على إعادة تعريف موقعها في شرق أوسط يشهد تحولات جذرية. ففي الوقت الذي تبدو فيه واشنطن منصرفة إلى إعادة ضبط علاقاتها مع طهران عبر مفاوضات تعيد خلط الأوراق، تجد تل أبيب نفسها مضطرة إلى الموازنة بين الحفاظ على تفوقها النوعي، وتفكيك قدرات خصومها الإقليميين، وتجنب الاصطدام بإرادة الحليف الأقوى.
ورغم التوقيع على اتفاق إطاري مع لبنان، تواجه إسرائيل تحديات كبيرة في تنفيذه، أبرزها استمرار الهجمات الإسرائيلية والاغتيالات والاشتباكات الحدودية.
وفي ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يبدو أن نتنياهو، سيسعى للخروج من اللقاء بإنجازات يعرضها على الناخبين، فيما تراهن واشنطن على استمرار ضبط النفس الإسرائيلي لتمرير أجندتها الإقليمية.
لكن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه المعادلة المعقدة هو: هل تستطيع إسرائيل، في ظل هذه المتغيرات المتسارعة، أن تحتفظ بمساحة المناورة الكافية لتحديد مصيرها الإستراتيجي، أم أنها أصبحت رهينة لتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز قدرتها على التحكم بها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد، إلى حد كبير، في مخرجات هذا اللقاء وما سيليه من تطورات على الأرض الإقليمية، حيث تظل المنطقة، كما هي دائماً، رهاناً مفتوحاً على تداخل القوة والسياسة والإرادات المتضاربة.