أعاد خروج المنتخب الألماني المبكر من كأس العالم إشعال الجدل في شأن هوية كرة القدم في ألمانيا، مع تصاعد الدعوات إلى إجراء تغييرات جذرية على مختلف المستويات في البلد الذي يُعد من أبرز القوى الكروية.

وجاءت صدمة ألمانيا بعد خسارتها في دور الـ32 لنهائيات أميركا الشمالية أمام باراغواي، في أول هزيمة لها بركلات الترجيح في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم، لتتواصل بذلك سلسلة التراجع التي أبعدت المنتخب، المتوج باللقب أربع مرات، عن نخبة كرة القدم العالمية.

وباتت ألمانيا تودع البطولة من الأدوار المبكرة للمرة الثالثة توالياً في كأس العالم.

فبعد فوزها على الأرجنتين 1-0 في نهائي مونديال 2014، خرجت ألمانيا من الدور الأول في نسختي روسيا 2018 وقطر 2022، ثم سقطت في الدور الإقصائي الأول من النهائيات العالمية التي تقام نسختها الـ23 بمشاركة 48 منتخباً، ما أسفر عن استحداث دور الـ32.

وتزايدت الدعوات لإقالة المدرب يوليان ناغلسمان، خصوصاً مع تداول اسم المدرب السابق لليفربول الإنكليزي، يورغن كلوب، كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافته.

في المقابل، دعا آخرون، ومن بينهم كلوب، نفسه إلى إجراء إصلاحات أكثر عمقاً وشمولاً في منظومة الكرة الألمانية، بدلاً من الاكتفاء بتغيير الجهاز الفني.

ابتعاد متواصل عن النخبة

ورغم انخفاض سقف التوقعات بعد عقد من النتائج المتواضعة، شنّت وسائل الإعلام الألمانية هجوماً لاذعاً على ناغلسمان، عقب خسارته أمام باراغواي، المصنفة في المركز الـ41 عالمياً والتي كانت قد استهلت مشوارها في البطولة بخسارة قاسية 1-4 أمام الولايات المتحدة المضيفة للنهائيات مشاركة مع المكسيك وكندا.

ووصفت صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الصادرة في ميونخ النتيجة بأنها «إذلال جديد»، معتبرة أن المنتخب الألماني «يعود أدراجه إلى أرض الوطن بتذكرة عودة مستحقة تماماً».

من جانبها، رأت مجلة «كيكر» الرياضية أن الخروج «إدانة قاسية ودليل على أن ألمانيا تبتعد أكثر فأكثر عن نخبة كرة القدم العالمية».

وبعدما اشتهرت ألمانيا لعقود بإنتاج مواهب كروية كانت محط أنظار أوروبا، تراجعت قدرتها خلال السنوات العشر الماضية مقارنة بالمنافسين القاريين، مثل فرنسا وإسبانيا وإنكلترا.

ورغم أن ألمانيا تُعد أكبر دول أوروبا من حيث عدد السكان، وتبقى كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية فيها، فإن المنتخب يعاني من نقص واضح في عمق التشكيلة.

وفي حين أثرت إصابات المهاجم الشاب لينارت كارل، والمهاجم المخضرم سيرج غنابري، وقلب الدفاع الأساسي نيكو شلوتربيك، على خيارات ناغلسمان، تمتلك منتخبات أوروبية كبرى رفاهية استبعاد نجوم بارزين من قوائمها من دون أن تتأثر كثيراً.

وتزيد محدودية قاعدة المواهب في ألمانيا من الضغوط على عدد قليل من اللاعبين المصنفين ضمن النخبة العالمية لتقديم أفضل مستوياتهم.

ودخل كل من كاي هافيرتز، وفلوريان فيرتزن وجمال موسيالا، البطولة بعد مواسم متباينة المستوى، ولم ينجحوا في استعادة أفضل مستوياتهم في أميركا الشمالية، رغم إظهارهم لمحات من إمكاناتهم الكبيرة.

وتعرّض المدرب ناغلسمان، لانتقادات قوية عقب الخروج المبكر من كأس العالم.

وكان يُنظر إلى ناغلسمان، رغم اهتمام كبار أندية أوروبا بخدماته، على أنه «صفقة ناجحة» للاتحاد الألماني لكرة القدم، إلا أن مسيرته مع المنتخب لم تحقق حتى الآن النتائج المنتظرة.

وأقصى إنجاز للمدرب البالغ من العمر 38 عاماً كان الوصول إلى الدور ربع النهائي في كأس أوروبا 2024 التي أقيمت في ألمانيا، قبل الخسارة أمام إسبانيا، ما فتح الباب أمام موجة جديدة من الجدل حول مستقبله.

وتتصاعد الدعوات داخل ألمانيا إلى عدم التمسك بالمدرب بعد أي إخفاق كبير في كأس العالم، كما حدث مع سابقيه يواكيم لوف وهانزي فليك.

وفرض كلوب، الذي يعمل محللاً تلفزيونياً خلال البطولة، حضوره بقوة على مشهد المنتخب الألماني، وألقى بظلاله على ناغلسمان، والجهاز الفني منذ انطلاق البطولة.

وكان كلوب، قد أثار جدلاً قبل انطلاق البطولة عندما قال مازحاً إن ناغلسمان، في منصبه «حالياً فقط»، في إشارة فُهمت على أنه يتوقع رحيله.

لكن تصريحاته بعد الخروج جاءت أكثر جدية، إذ رفض فكرة تولي تدريب المنتخب، داعياً بدلاً من ذلك إلى إصلاحات عميقة تبدأ من الفئات السنية الصغيرة تحت 10 سنوات.

وقال كلوب، بينما تُعرض لقطات لاحتفالات باراغواي: «انظروا إليهم، إنهم يبكون فرحاً، هذا يعني ما أهمية الوصول إلى دور الـ16 بالنسبة لهم».

وأضاف أن الألمان أصبحوا يكتفون بالحنين إلى أمجاد الماضي، قائلاً: «نحن ألمانيا؟ لا، كنا ألمانيا. لكي نصبح ألمانيا الكروية من جديد، علينا أن نغيّر الكثير».

ورأى أن «الأمر ليس متعلقاً بالأسماء، لا باسمي ولا باسم يوليان. يوليان محق، الفريق أراد ذلك (الذهاب بعيداً) لكنه لم يتمكن من تحقيقه في بعض الجوانب. والآن علينا أن نسأل: لماذا؟».