باتت الأجهزة الإلكترونية جزءا من تفاصيل حياة الأطفال اليومية حيث تداخلت بشكل عميق في التعليم والترفيه على حد سواء وبدأت تطفو على السطح تساؤلات حتمية تدق ناقوس الخطر حول مدى سلامة هذا الشغف الرقمي وما يخبئه من تحولات قد تعيد تشكيل صحة هذا الجيل الناشئ.

وتتصدر عيون الأطفال قائمة الأعضاء الأكثر تأثرا بالاستخدام المفرط للشاشات حيث يرى المتخصصون في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء الكويتية، اليوم السبت، أن الجلوس الطويل أمامها يؤدي إلى إجهاد بصري حاد وجفاف مستمر.

ويؤكد المتخصصون أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يمتد إلى زيادة احتمالات الإصابة بقصر النظر المبكر نتيجة التركيز المتواصل من مسافات قريبة للشاشة فضلا عن قضاء ساعات طويلة في وضعيات جلوس خاطئة ما قد يتسبب في آلام مبكرة بالرقبة والظهر وضعف في البنية العضلية إضافة إلى التأثيرات النفسية.

الإرهاق البصري

من جانبه حذر استشاري طب وجراحة العيون رئيس وحدة أمراض وجراحة الشبكية في مستشفى جابر الأحمد الدكتور يوسف الظفيري من الآثار الصحية المترتبة على الاستخدام المفرط للشاشات والأجهزة الإلكترونية لدى الأطفال.

وقال الظفيري إن النظر لفترات طويلة إلى الهواتف والأجهزة اللوحية والتلفاز يؤدي إلى انخفاض معدل الرمش ما يسبب جفاف العين وتشوشا مؤقتا في الرؤية والصداع والإرهاق البصري.

وذكر أن الدراسات الحديثة تشير إلى وجود ارتباط بين كثرة استخدام الشاشات وقلة اللعب البدني خارج المنزل بارتفاع معدلات قصر النظر لدى الأطفال إذ إن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات قد يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم ما يؤدي إلى اضطرابات النوم وصعوبة الاستغراق فيه والإرهاق وضعف التركيز الدراسي.

وأشار إلى عدد من العلامات التي تستدعي مراجعة طبيب العيون منها تقريب الشاشة من الوجه بشكل ملحوظ وفرك العينين بشكل متكرر والصداع بعد استخدام الأجهزة وضعف التركيز أو تراجع المستوى الدراسي إضافة إلى الحساسية من الضوء أو الحول وميلان الرأس أثناء النظر.

(قاعدة 20 - 20 - 20)

ودعا الظفيري إلى اتباع قاعدة (20 -20 -20) للحد من إجهاد العين بحيث ينظر الطفل كل 20 دقيقة إلى جسم يبعد 20 قدما لمدة 20 ثانية مشددا على أهمية تنظيم أوقات استخدام الشاشات مع تجنبها للأطفال دون السنتين والاكتفاء بساعة يوميا كحد أقصى للأطفال بين سنتين وخمس سنوات.

وشدد على أهمية تهيئة بيئة استخدام مناسبة من خلال توفير إضاءة جيدة والحفاظ على مسافة آمنة من الشاشة وتجنب استخدام الأجهزة أثناء الاستلقاء أو قبل النوم بساعة إلى ساعتين.

ولفت إلى أهمية تشجيع الأطفال على اللعب في الهواء الطلق والتعرض لأشعة الشمس لما لذلك من دور في الحد من تطور قصر النظر.

انعكاس سلبي

من جهته قال استشاري جراحة العظام وعظام الأطفال رئيس فريق جراحة عظام الأطفال بمستشفى الرازي الدكتور صالح السيفي إن الإفراط في استخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية ينعكس سلبا على نمو الهيكل العظمي والعضلات.

وأوضح السيفي أنه كلما استغرق الطفل وقتا أكثر في استخدام هذه الأجهزة يفقد الحركة والنشاط الذي من شأنه تقوية العضلات والعظام لافتا إلى أن الجلوس فترات طويلة قد يسبب آلام الرقبة وتراجع صحة العمود الفقري.

وأضاف أن هناك مؤشرات تبدو على الطفل عندما يقضي وقتا طويلا في استخدام مثل هذه الأجهزة منها آلام الرقبة والخشونة في العمود الفقري مبينا أن الأطفال الذين لا يتعرضون لأشعة الشمس للاستفادة من (فيتامين د) جراء استخدامهم المفرط لهذه الأجهزة عادة ما تكون عظامهم أقل كفاءة وجودة فتصبح عرضة للكسر بشكل كبير.

اضطرابات النوم

من جانبه قال العميد السابق لكلية العلوم الاجتماعية أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت الدكتور حمود القشعان إن هناك دراسات أجريت في دول الخليج أظهرت ارتباط الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية لدى الأطفال بارتفاع معدلات السمنة واضطرابات النوم نتيجة الخمول البدني وتناول الوجبات السريعة أثناء استخدام الشاشات.

وأوضح القشعان أن الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية يخلق حالة من «الانفصال عن الواقع» إذ يلجأ الطفل إلى الشاشة للهروب من مشاعر الملل كما أن الاعتياد على التحفيز البصري السريع يفقده القدرة على الصبر والتركيز ما يسهم في تكوين جيل أكثر قلقا وتشتتا ويؤثر في آليات عمل الدماغ.

وأضاف أن الحد من تأثير الشاشات لا يبدأ بالمنع إنما بوضع ضوابط للاستخدام مثل تخصيص أوقات وأماكن داخل المنزل تكون خالية من الهواتف كوقت تناول الطعام وغرف النوم مع التزام جميع أفراد الأسرة بذلك.

ودعا إلى تعويض وقت الشاشات بأنشطة تفاعلية واجتماعية مثل اصطحاب الأبناء إلى الديوانيات والأنشطة والزيارات العائلية وتشجيع الحوار والقصص والألعاب الحركية بما يعزز ارتباط الطفل بالعالم الواقعي.

وحذر القشعان من اتساع الفجوة العاطفية بين الأسرة الواحدة حيث «تبني الشاشات جدارا عازلا» بين أفرادها.

آلية تكيف سلبية

من جهته قال عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس في جامعة الكويت الدكتور سعود الغانم إن الاستخدام المفرط للشاشات يمثل في كثير من الأحيان آلية تكيف سلبية يلجأ إليها الأطفال للهروب من مشاعر الملل أو الإحباط أو التوتر الناتج عن الخلافات الأسرية.

وذكر الغانم أن العالم الافتراضي يمنح الطفل شعورا بالسيطرة والنجاح قد يفتقده في الواقع ما يجعله يعتمد على الشاشة للهروب من مشاعره بدلا من اكتساب مهارات التنظيم الانفعالي والتعامل الصحي معها.

وأضاف أن الدراسات في علم النفس التربوي والنمائي أظهرت وجود ارتباط بين التعرض المستمر للمحتوى العنيف وارتفاع مستويات العدوانية والقلق لدى الأطفال موضحا أن الطفل يميل إلى محاكاة ما يراه فيربط بين العنف والقوة أو النجاح كما أن تكرار مشاهدة العنف يؤدي إلى تراجع التعاطف مع الآخرين وزيادة تقبل هذا العنف بوصفه سلوكا طبيعيا.

وأشار إلى أن الألعاب العنيفة ترفع مستويات الاستثارة الفسيولوجية لدى الطفل ما يبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب مستمر ويرفع هرمونات التوتر مثل (الكورتيزول) و(الأدرينالين) وهو ما قد ينعكس في سرعة انفعال وقلق وردود فعل مبالغ فيها تجاه المواقف العادية.

وأكد أهمية التمييز بين الانطواء الناتج عن الإرهاق الجسدي بسبب الاستخدام الطويل للشاشات والذي يزول مع الراحة والانطواء النفسي الذي يستمر رغم زوال التعب ويظهر من خلال العزلة وفقدان الشغف بالهوايات وتجنب التواصل مع الآخرين.

ودعا الغانم إلى تطبيق فترات (نقاهة رقمية) مثل تخصيص يوم أسبوعي بلا شاشات مشيرا إلى أنه إذا استمرت العزلة والانطواء بعد إراحة الطفل جسديا فقد يكون ذلك مؤشرا على مشكلة نفسية أو سلوكية تستدعي الاحتواء واستشارة مختص.