الكويت بلد (المحافظة) وكل ما فيها من تراث وقِيم وأعراف وأصالة باقٍ على وتيرته، متصل بين ماضيه وحاضره، وروح الحياة فيها لا تعرف إلا جسداً واحداً بلباسه الشعبي المعهود... ولا يخطر على بال القوم أنها قادرة على إنشاء جسدٍ سواه وابتداع لباس غيره!

ومثال هذه المحافظة نجد الأسوار التي شيّدها الآباء والأجداد (الدراويز) وهي المعالم الباقية من السور الثالث الذي شُيّد في مايو 1920 ميلادي لحماية المدينة من عاديات الزمان ... وهذه الآطام المخلدة في (الصبية وفيلكا) وهذه القبور المصونة (مقبرة هلال المطيري، مقبرة الصالحية، المقبرة الجعفرية القديمة ومقابر غير المسلمين) والوراثة المفروضة في العادات والتقاليد ما هي إلا أمثلة أخرى لطبيعة (المحافظة) التي غَبَرتْ عليها الأجيال... وهذه الرمال على شاطئ البحر (السيف) تحتفظ بكل وديعة تُلقىٰ إليها... وهذه السماء التي تظلل الكويت وتشهد تحوّل الأزمنة والفصول وهي على عهدها لا تتبدل ولا تتحول!

وها هي الكويت اليوم باقية ومحافِظة على ما شهدها عليه آباؤنا الأولون خصوصاً في العلاقة بين الحاكم والمحكوم... فللكويت أثر خالد في كل مكان في العالم وحصة باقية في كل ما تخيّل الناس به معنى للإنسانية، ولكن هناك من الناس من ينصرون كل حديث على كل قديم مخافة الاتهام بالرجعية والجمود؟... وحين تسألهم ما رأيكم بالحرية والديمقراطية وتقليد الغرب والانفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي كل ذلك مجاناً بلا قيود؟

فستجدهم من أنصار كل جديد وأعداء كل قديم، وليس ذلك عن علم وخبرة وبصيرة إنما غاية الأمر مجاراة كمجاراة الجامدين لحكم العادة وآراء شُذاذ الآفاق! وشرذمة المنفيين!

فهذه الحريات المنفلتة ضرب آخر من الجمود الذي لا نريده للكويت... ولسنا أحراراً حين ندور مع الأفكار الدخيلة والطارئة كما يدور طلاب الأزياء وصرعات الموضة وكل خاطرة تعن في الأذهان!

فلنكن إذاً جريئين على الجديد الوافد جرأتنا على القديم الآسن، ولنتعود ننتقد الحضارة الأوروبية كما ننتقد من سلف من حضارات طُويت مع الزمان بالحسن فيها والقبيح... إننا نريد أن نكون أحراراً في طلب الحرية لئلا نطلبها كما يطلبها (المماليك) المسخّرون للخدمة فقط!

فمن الحرية التي نريدها أن نعرف سلفاً حدود (حرية الرأي) نفسها وأن نفهم أيضاً أنها ضرورة عجز لا تُستحب لو كان الناس قادرين على الإنصاف في منع الأفكار الشائنة والممجوجة وإطلاق الأفكار الخلّاقة الصائبة... فليست إباحة الحرية الفكرية لكل إنسان إلا ضرورة ألجأنا إليها علمُنا بعجزنا عن التمييز وقلة إنصافنا مع المخالفين... ومن ذا الذي يدعو الى إطلاق الحرية الفكرية لكل من أرادها إلا أن يكون متهوكاً أو جاهلاً بمعنى وعواقب ما يقول؟

ونحن حين نأذن لكل فكرة بالظهور (بالإعلام - أو المناهج التربوية) كمن يُقبِّلُ جبلاً من التراب لئلا يخسر جوهراً قد يكون مخبوءاً فيه؟

أو كمن يُغربل آكاماً من الهشيم طمعاً في العثور على إبرة الخياط؟

وفي ذلك إسراف لا يسوغه إلّا العلم بأن الحجر المطلق على العقول شرُّ ولكن أدهى منه المجازفة بالسباحة أمام طوفان الحريات!

وما أحوجنا اليوم إلى شيء من روح التجديد وعقيدة الخلق والمبادرة... فليس أصلح للعقل (الكويتي) اليوم في هذه اليقظة التي يتيقظها الآن من الجرأة على التفكير الحُر (السليم) والقدرة على انتزاع المنازع المستقلة عن رسوم الأحزاب الفكرية والسياسية من أسر قديم لا فضل له غير القِدم ونخرج بها عن سُنة موروث لا تحفظه إلا سهولة العادة وصعوبة الإبداع!

بهذا الخُلق وهذا الفكر الذي قاده أسد الجزيرة الشيخ مبارك الصباح، طيب الله ثراه، ويقوده اليوم أحفاده البررة دامت الكويت بفضل الله ودام الإسلام فيها، فلولا صلابة العقيدة وصبر على شظف العيش لعفىٰ الزمان ومحىٰ ثوابت القيم وركائز التاريخ وهذا كله يتطلّب جهداً جهيداً وصبراً جميلاً، لنحصل على الجيل الذي يحمل الراية ويتقدم الصفوف بالعلم والعمل. وكفانا ما اصطلينا به من نار التبعية للشرق والغرب، وآن لنا أن نرسخ أعلام الهوية الوطنية ولنتمثل كلمة الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد،طيّب الله ثراه، حين قال (الكويتي أنفع) فهل من مُدّكر؟