هل يمكن لوطنٍ صغيرٍ مثل لبنان أن يتحمّل كل هذا القدر من الأثقال؟

سؤالٌ يبدو بسيطاً... لكنه يختصر تاريخاً طويلاً من الألم.

لبنان ليس ساحة حرب، ولا ورقة في يد أحد.

لبنان وطنٌ كان يجب أن يعيش، لا أن يُستنزف.

لكن ما الذي حدث؟

حدث أن الأرض لم تسلم من الاحتلال.

وحدث أن القرار لم يسلم من الهيمنة.

من جهةٍ، عاش اللبنانيون سنواتٍ طويلة تحت تهديد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، حيث كانت الأرض تُنتهك، والبيوت تُهدم، والقلوب تعيش بين الخوف والانتظار.

ومن جهةٍ أخرى، وجد كثير من اللبنانيين أن القرار الوطني نفسه لم يعد خالصاً كما يجب، وأن هناك نفوذاً خارجياً تمدد في السياسة والسلاح والقرار، حتى أصبح لبنان ساحة تتنازعها الإرادات.

إسرائيل احتلت الأرض...

وإيران- كما يقول كثير من اللبنانيين-احتلت القرار.

وبين الأرض والقرار ضاع المواطن البسيط، الذي لا يريد سوى أمر واحد: أن يعيش في وطنه بكرامة.

هل هذا كثير؟

لم يكن اللبناني يريد أكثر من دولةٍ تشبهه... دولةٍ تحميه ولا تُستعمل، تجمعه ولا تفرّقه، تقرر عنه لا تُقرر له.

كم من مرة وقف اللبناني أمام السؤال نفسه: لماذا لا يكون الوطن هو المرجع الوحيد؟ لماذا لا يعود القرار إلى بيروت وحدها، بلا ظلّ ولا وصاية ولا سلاح خارج الدولة؟

إنّ مأساة لبنان ليست فقط في الحرب...

بل في تعدد مراكز القوة داخله، حتى أصبح الوطن موزّعاً بين أكثر من يد.

ومع ذلك...

يبقى في لبنان شيء لا يموت.

شيء يشبه الأمل.

ترى اللبناني رغم كل ما جرى، يفتح نافذته على البحر وكأنه يقول: «غداً أفضل».

وترى الجبل ثابتاً كأنه شاهدٌ على كل ما مرّ ولم ينكسر.

لبنان لا يحتاج معجزة.

لبنان يحتاج أن يعود إلى نفسه.

أن تكون الدولة دولة...

وأن يكون القرار واحداً...

وأن تكون الأرض مصونة...

وألا يكون في الوطن احتلالٌ ظاهر ولا احتلالٌ خفي.

وحين يحدث ذلك، وسوف يحدث قريباً، إن شاء الله، سيفهم العالم لماذا أحب الناس هذا البلد الصغير في مساحته الكبير في معانيه.

سيعود لبنان كما كان في ذاكرة الحالمين:

بلداً يكتب الشعر على شواطئه،

ويزرع الفكر في جباله،

ويفتح قلبه لكل من يحب الحياة.

وحينها فقط...

سيرتفع عَلمه منفرداً فوق روابيه الجميلة.