الدنيا متقلّبة بأهلها، فكم مِن غني افتَقَر، وكم مِن عزيزٍ ذل، وكم مِن صحيحٍ اعتَل، وكم من اجتماعٍ صار إلى فُرقة!
وما يهوّن الأمور على المُبتَلَى أنه ليس الوحيد الذي تمر به المصائب، فلا يكاد يخلو أحد من بَلِيّة.
لما قُتِل صخر بن عمرو السُلَمي، في معركة - وهو من سادات العرب في الجاهلية - رثته أخته الخنساء، وكان مما جاء في رثائها قولها:
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي
عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي
وَما يَبكونَ مِثلَ أَخي وَلَكِن
أُعَزّي النَفسَ عَنهُ بِالتَأَسّي
يُروى أنّ عروة بن الزبير، أصابت رجله الآكلة وهي مثل (الغرغرينا) فقالوا لا بد من قطعها، فقُطِعت، وفي اليوم نفسه دخل أحد أولاده إلى إسطبلٍ للخيل فرفسته إحداها فمات، فلما أخبروه بذلك، حمد الله واسترجع وقال: اللهم لك الحمد كان لي أربعة أطراف أخذت واحداً وتركت ثلاثة، وكان لي أربعة بنون أخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فلئن أخذتَ فلقد أبقيت، ولئن ابتليتَ فطالما عافيت.
ولما قدم عروة، على الخليفة الوليد بن عبدالملك، أراد الخليفة أن يواسيه ويخفف عنه، فطلب من رجل ضرير كان في المجلس أن يقول قصته، فقال الرجل:
لم يكن في بني عبس، رجلٌ أوفر مني مالاً ولا أكثر أهلاً وولداً... فسِرتُ يوماً بمالي وعيالي في بطن وادٍ... ونزلتُ فيه، فطرقنا سيلٌ لم نر مثله قط... فذهب السيل بمالي وأهلي وولدي... ولم يترك لي غير بعير واحد وطفل صغير حديث الولادة... فهرب البعير فتركت الصغير على الأرض لألحق بالبعير... فما جاوزت مسافة إلا وأنا أسمع صيحة الطفل... فإذا بذئبٍ قد بَقَر بطنه وحمله بعيداً وهرب به... فرجعت للبعير فلما قربت منه رمحني على وجهي رمحةً حطّمت جبيني وذَهَبَت ببصري، فأمسيت وأنا أغنى الناس وأصبحت وأنا من أفقرهم!
فلما سمع عروة، بذلك هانت عليه مصيبته.
اصبِر لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّد
وَاعلَم بِأَنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
أَوَما تَرى أَنَّ المَصائِبَ جَمَّةٌ
وَتَرى المَنِيَّةَ لِلعِبادِ بِمَرصَدِ
مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيبَةٍ
هَذا سَبيلٌ لَستَ فيهِ بِأَوحَدِ
وَإِذا ذَكَرتَ مُحَمَّداً وَمَصابَهُ
فَاذكُر مُصابَكَ بِالنَبِيِّ مُحَمَّدِ
X : @abdulaziz2002