هل يمكن للخليج بعد الحرب أن يتحول من ساحة اشتباك إلى مشروع استقرار إقليمي؟

لم تعد الحرب في الخليج حدثاً عسكرياً عابراً، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. فالخليج ليس مجرد منطقة نفطية، وإنما عقدة مركزية في منظومة الطاقة والتجارة الدولية؛ إذ تشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن مضيق هرمز مرّ عبره في عام 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته، أي ما يعادل قرابة 20 % من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً. كما مرّ عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ومعظمها من قطر.

هذه الأرقام وحدها تكفي لتفسير لماذا لا تبقى أي حرب في الخليج «محلية». فكل توتر في المضيق ينعكس فوراً على الأسعار، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة في آسيا وأوروبا. وتؤكد بيانات الطاقة الأميركية أن 84 % من النفط والمكثفات و83 % من الغاز الطبيعي المسال العابر لهرمز في 2024 اتجه إلى الأسواق الآسيوية، وأن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها استحوذت على 69 % من تدفقات الخام والمكثفات عبر المضيق. لذلك فإن استقرار الخليج لم يعد مصلحة خليجية فقط، بل أصبح مصلحة آسيوية وأوروبية ودولية.

لقد كشفت الحرب أن الاعتماد المطلق على المظلات الخارجية لم يعد كافياً. فالولايات المتحدة ما زالت القوة الأمنية الأكبر في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد مستعدة لتحمل العبء وحدها كما كان الحال بعد حرب الخليج وغزو العراق. وقد عبّر الرئيس الأميركي جو بايدن في قمة جدة 2022 عن هذه المعادلة حين قال إن الولايات المتحدة «لن تترك فراغاً تملؤه الصين أو روسيا أو إيران». والمعنى السياسي واضح: واشنطن لا تريد الانسحاب، لكنها تريد تقاسم الكلفة والمسؤولية.

في المقابل، صعد الحضور الصيني اقتصادياً بصورة لافتة. فبيانات التجارة تشير إلى أن دول مجلس التعاون صدّرت إلى الصين في عام 2023 نحو 4.06 مليون برميل يومياً من النفط الخام، بما يعادل 36 % من واردات الصين النفطية. وإذا أضيفت واردات الصين من العراق وإيران، فإن منطقة الخليج الأوسع توفر أكثر من نصف احتياجات الصين النفطية. وهذا يفسر لماذا دخلت بكين على خط المصالحة السعودية - الإيرانية في مارس 2023، ولماذا وصف وزير الخارجية الصيني وانغ يي، تلك المصالحة بأنها «انتصار كبير للحوار والسلام».

أما من الناحية العسكرية، فإن المنطقة تعيش مفارقة واضحة: إنفاق دفاعي كبير، لكن منظومة أمن إقليمي غير مكتملة. فقاعدة بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام تغطي الإنفاق العسكري حتى عام 2025، وتشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى SIPRI إلى أن إنفاق السعودية العسكري بلغ نحو 80.3 مليار دولار في 2024، بينما بلغ إنفاق إيران العسكري نحو 981 مليون دولار وفق البيانات الرسمية المتاحة؛ مع ضرورة التنبيه إلى أن الأرقام الإيرانية لا تعكس كامل كلفة الشبكات غير النظامية، وبرامج الصواريخ، والطائرات المسيّرة، وأذرع النفوذ الإقليمي.

من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى سيناريو جديد لا يقوم على «ناتو خليجي» صلب، ولا على انسحاب أميركي كامل، بل على منظومة توازن إقليمي مرن. هذه المنظومة ينبغي أن تبدأ من مبادئ عملية: عدم الاعتداء، ضمان حرية الملاحة، إنشاء آلية إنذار مبكر، إدارة أزمات مشتركة، حماية البنية التحتية للطاقة والمياه والاتصالات، وتحييد الممرات البحرية عن منطق الابتزاز العسكري.

وفي هذا السياق، تصبح فكرة تنويع ممرات الطاقة ضرورة لا رفاهية. فالسعودية تمتلك خط أنابيب شرق–غرب بطاقة اسمية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً من الخليج إلى ينبع على البحر الأحمر، وقد رفعت قدرته موقتاً إلى 7 ملايين برميل يومياً في 2019. كما تمتلك الإمارات خط حبشان–الفجيرة بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يومياً يتجاوز هرمز إلى خليج عُمان. لكن تقديرات إدارة معلومات الطاقة تشير إلى أن الطاقة الفعلية المتاحة لتجاوز المضيق عبر خطوط السعودية والإمارات قد تبلغ نحو 2.6 مليون برميل يومياً فقط عند حدوث اضطراب، ما يعني أن البدائل الحالية مهمة لكنها لا تكفي لتعويض إغلاق واسع أو طويل.

ولذلك، فإن مشروع الاستقرار لا بد أن يتجاوز الأمن العسكري إلى «اقتصاد الممرات». فالربط السككي الخليجي، والموانئ المطلة على البحر الأحمر وبحر العرب، والتخزين الإستراتيجي في آسيا، والممرات البرية عبر الأردن وسوريا والعراق وتركيا، كلها أدوات إستراتيجية تجعل الخليج أقل تعرضاً للشلل عند الأزمات. كما أن ربط هذه المشاريع بصناديق تمويل وتنمية وإعادة إعمار سيحوّل الاستقرار من شعار سياسي إلى مصلحة اقتصادية مشتركة للقوى الكبرى.

غير أن الطريق ليس سهلاً. فهناك ثلاثة تناقضات كبرى تعيق هذا السيناريو. الأول خليجي داخلي، إذ تختلف دول الخليج في درجة اقترابها من إيران، وموقفها من إسرائيل، وحجم اعتمادها على الولايات المتحدة. والثاني إيراني، لأن طهران قد تقبل بمنظومة أمن إقليمي إذا ضمنت عدم استهدافها، لكنها ستعارض أي صيغة تراها غطاءً لاحتوائها أو تطويق نفوذها. والثالث دولي، لأن الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي جميعاً تريد الاستقرار، لكن كل طرف يريد أن يحفظ موقعه ومصالحه داخل هذا الاستقرار.

ومن ثم، فإن السيناريو الممكن ليس إقامة منظومة أمن إقليمي جديدة فقط تضم دول الخليج وتركيا وباكستان ومصر وربما إذا استجابت إيران الى معايير المنظومة ان تنضم لها، ويشتمل إطلاق «مبادرة الأمن والتنمية الإقليمية للخليج» على مراحل.

تبدأ المرحلة الأولى باتفاقات عدم اعتداء، وخط اتصال أمني بحري، وتفاهم على حماية الملاحة. وتنتقل المرحلة الثانية إلى مشاريع الطاقة والممرات والسكك والتخزين الإستراتيجي. أما المرحلة الثالثة فتؤسس لصندوق إقليمي–دولي للتنمية وإعادة الإعمار، تشارك فيه دول الخليج والصين والولايات المتحدة وأوروبا واليابان والهند، بما يجعل الحرب مكلفة للجميع والاستقرار مربحاً للجميع.

الخلاصة:

إنّ الخليج بعد الحرب أمام فرصة تاريخية؛ إما أن يبقى ساحة لصراع الآخرين، أو يتحول إلى مركز توازن عالمي.

والأرقام تقول إن العالم لا يستطيع الاستغناء عن استقرار الخليج، لكن السياسة تقول إن هذا الاستقرار لن يُمنح للمنطقة من الخارج. لا بد أن تصنعه دولها، بتدرج وواقعية، وبمبادرة تجمع بين الأمن والتنمية والممرات والمصالح المشتركة.