بات اقتصاد الفضاء العالمي يُشكّل واحداً من أكثر القطاعات الاقتصادية إثارةً وديناميكيةً في عالمنا اليوم، إذ كشفت النسخة الثانية عشرة من تقرير «اقتصاد الفضاء» الصادر عن شركة «نوفا سبيس»، والذي رصده موقع «سبيس نيوز»، أن القطاع يسير في مسار تصاعدي لافت، مرشّح للانتقال من 626.4 مليار دولار عام 2025 إلى ما يتجاوز التريليون دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركّب يبلغ 12 في المئة. وهو حجم يكاد يُضاعف ما كان عليه هذا الاقتصاد قبل عقد واحد فقط، ما يجعله واحداً من أسرع القطاعات العالمية توسعاً.

ويستحوذ القطاع التجاري على نحو 78 في المئة من هذا الحجم، فيما تُسهم الحكومات بالنسبة المتبقية. ويُعزى هذا النمو المتواصل إلى جملة محركات متشابكة، أبرزها: الابتكار التقني في مجالي صناعة الأقمار الاصطناعية وإطلاقها، وظهور نماذج أعمال جديدة، والطلب المتصاعد على الخدمات الفضائية عبر قطاعات الاتصالات والملاحة والرصد البيئي والدفاع.

ومع ذلك، شكل 2025 نقطة تحوّل هيكلية فارقة، إذ انتقل القطاع من مرحلة التوسع السريع المدفوع بالتفاؤل التجاري والزخم التقني، نحو سوق فضائي أكثر نضجاً وتنظيماً وتوجهاً إستراتيجياً.

دوافع النمو

وعلى صعيد المحركات الرئيسية للنمو، برزت مجالات الدفاع والسيادة الوطنية بوصفها القوة المهيمنة على السوق، في تحوّل تاريخي غير مسبوق؛ إذ تجاوزت الميزانيات الدفاعية الفضائية نظيرتها المدنية للمرة الأولى في التاريخ، مستأثِرةً بنسبة 54 في المئة من الإنفاق الحكومي العالمي على الفضاء.

وفي هذا السياق، أكد كبير مستشاري الفضاء في «نوفا سبيس» جان كلارنس دي، أن الإنفاق الحكومي على القطاع بلغ 138 مليار دولار، مدفوعاً في جوهره ببرامج الأمن والسيادة والاستكشاف، مشيراً إلى أن هذه الأولويات تُعيد صياغة نماذج المشتريات وتعزز إمكانات الجهات الفاعلة التجارية ضمن الإستراتيجيات الوطنية للفضاء.

استثمارات خاصة

ومن أبرز التجليات العملية لهذا التحوّل، إقرار مبادرة «القبة الذهبية» الأميركية للدفاع الصاروخي بتمويل 25 مليار دولار، فيما رصدت وكالة الفضاء الأوروبية ميزانية قياسية تبلغ 26 مليار يورو للفترة الممتدة بين 2026 و2028، بارتفاع يناهز 30 في المئة مقارنةً بالدورة السابقة.

ويتوقع أن يظل الدفاع محرّكاً مهيمناً حتى بداية الثلاثينيات من القرن الحالي، ما يعني أن معادلة الاستثمار الفضائي باتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمتطلبات الأمن القومي والتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى.

إشارات واضحة

أما على صعيد تدفقات رأس المال الخاص، فقد أعطى 2025 إشارات واضحة على التعافي، حيث بلغت الاستثمارات الخاصة 9 مليارات دولار، مسجّلةً أكبر زيادة سنوية منذ ذروة الاستثمار عام 2021.

وتمركزت هذه التدفقات في الشركات ذات المراحل المتقدمة التي أثبتت كفاءتها التشغيلية، بينما حافظ المستثمرون على حذرهم تجاه المشاريع الناشئة ذات المخاطر المرتفعة.

وعكست الصفقات أيضاً توجهاً نحو الاندماج والتكامل الرأسي، إذ أُتمّت 54 صفقة اندماج واستحواذ في 2025، مع 16 أخرى في طور الإنجاز.

الطرح العام

ويُلقي الطرح العام الأولي المرتقب لشركة «SpaceX» بظلاله الثقيلة على المشهد برمّته؛ فقد تقدّمت الشركة في الأول من أبريل 2026 بطلب تسجيل سري لدى هيئة الأوراق المالية الأميركية تمهيداً لاكتتاب يُستهدف في يونيو المقبل، بسعي لجمع 75 مليار دولار عند تقييم يبلغ 1.75 تريليون، ما سيجعله أكبر اكتتاب في تاريخ الأسواق المالية.

وتُشكّل خدمة «Starlink» الركيزة الأساسية لهذا التقييم الضخم، إذ تجاوز عدد مشتركيها 10 ملايين مستخدم نشط في فبراير 2026، مع توقعات بالوصول إلى ما بين 16 و17 مليون مشترك بنهاية العام، وإيرادات تتراوح بين 18 و20 مليار دولار.

ويرى المحللون أن هذا الاكتتاب التاريخي سيُعيد تشكيل توقعات تمويل شركات الفضاء الناشئة بأسرها، ويُرسّخ مكانة الفضاء بوصفه قطاعاً إستراتيجياً من الدرجة الأولى لا مجرد مجال للمغامرة التقنية.