على وقع الجمود في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، وتزامناً مع تداعيات قمة بكين، بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جينبينغ، يتصاعد التوتر مجدداً في الشرق الأوسط، مُنذراً بانفجار وشيك للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
فبينما تبحث الأوساط العسكرية والاستخبارية إمكانية قيام طهران بهجوم مسبق، يطرح المحللون الاقتصاديون سؤالاً موازياً: أي الاقتصادين سينهار أولاً؟ هذا التقرير يستعرض تحليلات كبار الخبراء في الصحف الإسرائيلية ومراكز الأبحاث حول حالة التأهب، السيناريوهات العسكرية، والمتانة الاقتصادية.
حالة التأهب واحتمالية الهجوم الإيراني المسبق
في السياق، أكد أيلي اليئون وآفي أشكنازي في تحليل نشرته صحيفة «معاريف»، أن «وقف النار الحالي هو مجرد هدنة سطحية، إذ تهدّد الحرب بالانفجار من جديد في كل لحظة».
ويُطرح السؤال الحاسم: هل يحتمل أن تنطلق إيران إلى هجوم مسبق ضد أهداف أميركية وإسرائيلية؟ ولهذا السبب، كما يشير الكاتبان، قرّرت واشنطن وتل أبيب تعزيز حال التأهب وعدم المخاطرة بأي مفاجآت.
هذا التحذير يتوازى مع ما يراه عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس»، الذي يذهب إلى أبعد من ذلك، ليصف الموقف الإسرائيلي بأنه يتصرف وكأن الحرب قد بدأت بالفعل. فبينما يمتنع ترامب عن الإفصاح عن نواياه، خصوصاً بعد عودته من قمة بكين «خالي الوفاض» من دون تحقيق صفقة محتملة (تايوان مقابل إيران)، توحي الحكومة والجيش الإسرائيليان بتصريحاتهما وأفعالهما بالاستعداد لاستئناف الهجمات.
الاستعدادات الإيرانية والقفزة النووية
ويكشف هرئيل في تحليله تفاصيل أكثر قتامة نقلاً عن اللواء المتقاعد تمير هايمن، رئيس معهد INSS والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات (أمان). فهايمن، الذي خدم في الاحتياط خلال بداية الحرب الحالية، يستنتج أن الحملة السابقة فشلت في تغيير مراكز الثقل الإيرانية جوهراً. بل والأخطر من ذلك، أن طهران أظهرت قدرة سريعة وخطيرة على إعادة البناء: أعادت بناء موقع فوردو النووي، طورت موقع «جبل مكوش» المحصن، ورفعت إنتاج الصواريخ البالستية إلى 125 شهرياً.
ويحذر هايمن من أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي (المتطرف أكثر من والده السيد علي خامنئي) يرى في الردع النووي السبيل الوحيد لمنع الحرب القادمة، مما يستوجب التعامل مع احتمال وجود مشروع سري لإنتاج السلاح النووي.
هذا التشخيص القاتم يقود مباشرة إلى السيناريو العسكري الذي يقترحه الكاتب رون بن يشاي. فبعد تأكيد أن القرار الأميركي سيكون مصيرياً للنظام الإيراني برمته، يرى أن المسار الصحيح ليس عملية خاطفة، بل عملية موجهة وواسعة تشنها القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية معاً.
وبحسب تحليله، ورغم أن إيران لم يتبقَ لديها سوى أقل من ألف صاروخ بالستي بعيد المدى، إلا أن الضربات يجب أن تستهدف منظومة الصواريخ والمسيرات بأكملها في مضيق هرمز وجميع أنحاء إيران، لأن ذلك سيحد من قدرتها على الرد مقارنة بالجولات السابقة.
الاقتصاد المقارن... من ينهار أولاً؟
لكن السؤال الأعمق، الذي قد يحسم اتجاه الحرب من دون ضربة واحدة، هو الاقتصادي. هنا يقدم العميد (احتياط) الدكتور ساسون حداد من مركز JISS إجابة دقيقة ومعقدة. فهو يميز بين «اقتصاد الدولة» و«اقتصاد النظام».
على صعيد اقتصاد الدولة، الإجابة حاسمة: إيران ستنهار أولاً وبفارق كبير.
فبينما الناتج المحلي الأميركي سيبلغ 32.38 تريليون دولار بنمو 2.3 %، فإن الناتج الإيراني لا يتجاوز 300 مليار دولار مع انكماش 6.1 % وتضخم مذهل يصل إلى 68.9 % (وتضخم غذاء 99 % وفق البنك الدولي).
لكن المفارقة التي يبرزها حداد، وهي جوهر الإجابة على سؤال «مَنْ سينهار أولاً»، تكمن في أن انهيار اقتصاد الدولة الإيراني لا يعني بالضرورة انهيار اقتصاد النظام.
فالنظام الإيراني لايزال قادراً على تمويل آليات السلطة وقمع المعارضة، بينما الولايات المتحدة - رغم قوة اقتصادها - تعاني من ضيق في الحيز السياسي المتاح لإدارة ترامب. وبالتالي، الخلاصة الأدق هي: ستنهار إيران أولاً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي (أي سينهار الشعب الإيراني قبل الأميركي)، لكن ليس من الواضح أي النظامين السياسيين سيُبدي «طول نفس» أكبر في إدارة الأزمة، خصوصاً أن إسرائيل تسعى لإضعاف إيران هيكلياً ودائماً رغم صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي سريع.