فجوة «اليوم التالي» في طهران... واشنطن تفتقد الخريطة وإسرائيل تراهن على الأكراد

مقاتلون أكراد (أ ف ب - أرشيف)
مقاتلون أكراد (أ ف ب - أرشيف)
تصغير
تكبير

- استعدادات لتوسيع الحرب... وخيارات الأطراف في مفترق طرق إقليمي

في لحظة تاريخية مفارقة، تتقاطع فيها ذكرى مرور 250 عاماً على الاستقلال الأميركي وعيد ميلاد الرئيس دونالد ترامب، الثمانين مع ختام كأس العالم بفوز إسبانيا، تعود واشنطن لتجد نفسها مجدداً على حافة الهاوية في مواجهة إيران. غير أن المشهد اليوم يختلف جذرياً عن سابقاته؛ فبينما تحشد الإدارة قواتها في المنطقة، وتنشر أكثر من 100 طائرة تزود وقود في قواعد إسرائيلية، تلوح في الأفق انتخابات منتصف الولاية المقررة في نوفمبر المقبل كسقف زمني صارم يضغط على الخيارات الأميركية، ويحول كل خطوة عسكرية إلى حساب انتخابي دقيق.

لكن المشكلة الأكثر إيلاماً التي تواجهها واشنطن، بحسب ما يجمع عليه المحللون العسكريون الإسرائيليون، لا تكمن في القدرة العسكرية على قصف طهران، بل في العجز الإستراتيجي عن الإجابة عن السؤال الأصعب «ماذا بعد»؟

فغياب خطة واضحة لـ«اليوم التالي» في إيران، والتي يعرقل وضعها الفيتو التركي بحسب المحلل آفي أشكنازي، يترك الولايات المتحدة في مواجهة خصم يرفض الانكسار، ويتصرف وكأنه المنتصر، بينما يتسع نطاق الصراع من مضيق هرمز إلى أروقة صنع القرار في بغداد وبيروت.

فجوة «اليوم التالي»

في قراءة نقدية لإستراتيجية واشنطن، يشير آفي أشكنازي، المحلل العسكري لصحيفة «معاريف» إلى أن المشكلة المركزية ليست في قدرة واشنطن على إلحاق الضرر بإيران، بل في عجزها عن دفع طهران إلى زاوية تقبل فيها بالاملاءات الأميركية. فإيران، التي تواصل التصرف بلغة المنتصر في حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة، تستند في صمودها إلى ثغرة أميركية واضحة: غياب خطة لما بعد القصف.

ويصف أشكنازي، الهجمات الأميركية الحالية بأنها مجرد «قصف للتلال الرملية» في منطقة هرمز، بعيداً عن مراكز الثقل في طهران، وكأنها رسائل نار لا حرب وجود. الطرفان، بحسب تحليله، وصلا إلى مفترق طرق، حيث يرد الإيرانيون بإطلاق نار في الخليج والشرق الأوسط، في لعبة استنزاف مكلفة للجميع.

في المقابل، يلفت المحلل إلى أن إسرائيل تمتلك خطة مختلفة تماماً لـ«اليوم التالي»، تقوم على جيش الأكراد المنتظر على الحدود مع العراق، بانتظار الضوء الأخضر - سواء من البيت الأبيض أو تل أبيب - للانطلاق.

هذه الرؤية الإسرائيلية، التي تستبق أي فراغ أميركي، تعكس فجوة إستراتيجية عميقة بين الحليفين، وتطرح تساؤلات حول مدى التنسيق الحقيقي في إدارة هذا الملف الشائك.

عندما تحول الخسائر البشرية معادلات الردع

يتجاوز عاموس هرئيل، المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس»في تحليله السردية العسكرية الضيقة، ليربط بين مقتل الجنديين الأميركيين في الأردن والأبعاد الإقليمية الأوسع للصراع. فإيران، وفق هرئيل، تسعى إلى ترجمة نجاحها في المفاوضات إلى مكاسب ملموسة، عبر تحصيل رسوم عبور تساعدها في إعادة الأموال إلى خزينتها، ورفع العقوبات، وفك تجميد حساباتها في الخارج.

لكن الأهم هو ما يكشفه هرئيل، عن الاستقطاب الإسرائيلي الداخلي؛ فسياسات حكومة بنيامين نتنياهو، في إدارة الحرب، بحسب تحليله، أدت إلى عزوف دول عدة عن فكرة التعاون مع إسرائيل في المستقبل القريب. وهنا تكمن المفارقة: فكلما اشتدت الحرب، تراجعت آفاق التطبيع، ما يشكل هدية سياسية غير متوقعة لمنافسي نتنياهو، ويعيد تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة بأكملها.

خيارات ترامب

يقدم مئير بن شبات، رئيس معهد مسغاف للأمن القومي رئيس هيئة الأمن القومي سابقاً (2017-2021) - في صحيفة «إسرائيل اليوم» قراءة استشرافية لخيارات الرئيس دونالد ترامب، محذراً من أن تهديداته بضرب البنى التحتية الحيوية في إيران بدأت تتحقق، لكن «بتقنين وبعناية». وهو يرسم سيناريوهين متباينين:

الخيار الأول: الهجوم على البنى التحتية (نقطة الانعطاف)

إذا قرر ترامب، توسيع رقعة القتال، واستهداف محطات توليد الطاقة، والجسور، والمنشآت المدنية الحيوية، فإن ذلك سيمثل نقلة نوعية من حرب أهداف عسكرية إلى «حرب بنى تحتية» تمس نسيج الحياة المدني في إيران.

وهذا، بحسب بن شبات، سيجر إسرائيل إلى قلب الحرب حتماً، ويفتح الباب أمام تداعيات إقليمية لا يمكن السيطرة عليها.

الخيار الثاني: الضغط المطول (مخاطر فقدان السيطرة)

البديل الآخر هو ممارسة ضغط اقتصادي وعسكري متواصل ومتصاعد، لكن ضمن حدود واضحة. غير أن عيب هذا الخيار، كما يشير بن شبات، يكمن في المدة الزمنية الطويلة التي يتطلبها، فضلاً عن مخاطر فقدان السيطرة نتيجة لأحداث موضعية، مثل الهجوم في الأردن.

ويخلص بن شبات، إلى رسالة واضحة وموجزة لإسرائيل: «محظور أن تؤثر اعتبارات الانتخابات في هذا الشأن»، سواء للدفع نحو التصعيد أو للامتناع عنه. فالحرب، في تقديره، باتت حتمية آجلاً أم عاجلاً، سواء بشكل مباشر مع إيران أو عبر فروعها.

من هرمز إلى بغداد وبيروت

في استقراء للتحليلات المتعددة، تبرز أربعة انعكاسات رئيسية للصراع على المنطقة:

- تحويل مضيق هرمز إلى خط أحمر

تمثل السيطرة على المضيق جوهر الرهان الإيراني، وأي تراجع أميركي في هذا الملف سيكون إنجازاً استراتيجياً لطهران، يمنحها نفوذاً لا مثيل له على الاقتصاد العالمي.

- اشعال جبهات متعددة

تسعى إيران إلى إظهار قدرتها على توسيع دائرة الصراع، مستهدفة البنى التحتية للطاقة، في رسالة بأن لا أحد في مأمن من تداعيات الحرب.

- اختبار النفوذ في العراق ولبنان

تخوض إيران صراعاً سياسياً شرساً للحفاظ على نفوذها في بغداد وبيروت، ضد محاولات أميركية لدمج الميليشيات في الجيش العراقي ونزع سلاح «حزب الله». أي ترتيب سياسي يتجاوز طهران يعتبر خطاً أحمر، وستسعى طهران لإفشاله بأي ثمن.

- إعادة رسم التحالفات الإقليمية

عزوف دول عدة عن التعاون مع إسرائيل في ظل حكومة نتنياهو، يفتح الباب أمام تحولات كبرى في موازين القوى، ويخلق فراغاً سياسياً قد تملؤه أطراف أخرى بسرعة.

لعبة الأصفار الثلاثة

تتلخص معادلة الصراع اليوم في ثلاثة أصفار تهدد بتفجير المنطقة: سقف الانتخابات الأميركية الذي يضغط على خيارات ترامب، والخسائر البشرية التي تغير معادلات الردع وتقوض الحسابات السياسية، والبنى التحتية التي قد تصبح هدفاً مفتوحاً لحرب استنزاف إقليمية.

الرهان الآن على ما إذا كانت الحكمة ستنتصر على حسابات الضعفاء، أم أن المنطقة ستشهد حرب بنى تحتية شاملة، تكون فيها الخسائر البشرية والسياسية أكبر مما يتصور أي من الأطراف.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي